تروي المقالة قصة مكتبة الإسكندرية القديمة، وطموح البطالمة إلى جمع الكتب ورعاية العلماء، وتعرض إنجاز إراتوستينس في قياس محيط الأرض. كما تفحص الروايات المتضاربة حول نهايتها، وتتناول إحياء رسالتها في مكتبة الإسكندرية الحديثة.
by فريق مُلهمReading time 5 minutes
0Read
Read the article
مدينة أرادت أن تحتفظ بذاكرة البشر
قبل أن تصبح المعرفة متاحة بلمسة على شاشة، كان الحصول على كتاب قد يتطلب رحلة طويلة، وشراء مخطوط، وانتظار ناسخ ينقله حرفًا حرفًا. في ذلك العالم، ظهرت في الإسكندرية فكرة طموحة: جمع أكبر قدر ممكن من الكتب، وإتاحة مادتها للعلماء كي يقرؤوها ويقارنوها ويضيفوا إليها.
من هنا بدأت حكاية مكتبة الإسكندرية القديمة، التي صار اسمها رمزًا لشغف الإنسان بالمعرفة، ولخوفه من ضياعها. لكن شهرتها أحاطتها أيضًا بحكايات يصعب الفصل فيها بين التاريخ والخيال: هل امتلكت حقًّا جميع كتب العالم؟ وهل انتهت في حريق واحد؟ ومن المسؤول عن اختفائها؟
وراء هذه الأسئلة قصة أكثر تعقيدًا، وأشد إثارة، من الصورة الشائعة لمبنى عظيم تلتهمه النيران.
مشروع البطالمة: المعرفة في قلب العاصمة
نشأت المكتبة في ظل حكم البطالمة لمصر، في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد. وترتبط بداياتها بعهدي بطليموس الأول وبطليموس الثاني، وإن كانت الأدلة المتاحة لا تسمح بتحديد تفاصيل التأسيس ومسؤولية كل منهما بصورة قاطعة.
ارتبطت المكتبة بمؤسسة «الموسيون»، التي ضمت جماعة من أهل العلم داخل الحي الملكي. ويصف الجغرافي سترابون مكانًا يضم ممشى وقاعة اجتماع ومائدة مشتركة للعلماء، بما يكشف عن بيئة مخصصة للحياة العلمية برعاية السلطة.
كان اجتماع الباحثين والكتب في مكان واحد يتيح تبادل الأفكار ومراجعة النصوص. فالكتاب الذي يصل إلى المدينة يستطيع أن يصبح مادة للنقاش والتفسير، ثم أساسًا لكتاب جديد.
ومع ذلك، ينبغي الحذر عند تشبيه الموسيون بجامعة حديثة؛ فنحن نعرف بعض ملامحه، بينما تظل تفاصيل تنظيمه وطرائق العمل داخله محدودة الوضوح.
هل جمعت المكتبة جميع كتب العالم؟
تعكس عبارة «جمع معارف العالم» الطموح الذي ارتبط بالمكتبة، لكنها لا تصف حقيقة مكتملة نستطيع إثباتها.
Sources(6)
1.نشأة الموسيون وتنظيمه، مع مقتطف من وصف سترابون: كلية لندن الجامعية — موسيون الإسكندرية.
2.حدود الأدلة المتعلقة بالتأسيس وحجم المجموعات وروايات جمع الكتب: الجامعة المفتوحة — تقييم الأدلة عن مكتبة الإسكندرية.
3.عمل كاليماخوس في الفهرسة والتصنيف: مكتبة الإسكندرية — التعريف بخدمة كاليما.
4.طريقة إراتوستينس والخلاف حول دقة القياس: جامعة سانت أندروز — سيرة إراتوستينس
5.تحليل الروايات المتعارضة حول اختفاء المكتبة: الجامعة المفتوحة — تدمير المكتبة.
تتحدث روايات قديمة عن أعداد هائلة من اللفائف، وعن الحصول على الكتب من السفن الوافدة إلى الإسكندرية ونسخها. غير أن هذه الأخبار متفاوتة الموثوقية، وبعضها وصلنا في نصوص متأخرة، ولذلك لا يصح التعامل معها جميعًا بوصفها سجلات دقيقة.
كذلك فإن اللفافة ليست مرادفًا للكتاب بالمفهوم الحديث؛ فقد يحتاج مؤلَّف واحد إلى عدة لفائف، وقد توجد منه نسخ متعددة. ولهذا يصعب تحويل الأرقام المتداولة إلى عدد محدد من المؤلفات.
تظل المكتبة مشروعًا علميًّا كبيرًا حتى مع الاعتراف بهذه الحدود. فقيمتها لا تتوقف على إثبات أنها احتوت كل ما كتبه البشر، وإنما تظهر في الطموح إلى جمع النصوص وإتاحة دراستها.
حين يصبح تنظيم الكتب علمًا
يرتبط اسم الشاعر والباحث كاليماخوس بعمله المعروف باسم «البيناكس»، أي الجداول، الذي مثّل جهدًا مبكرًا بارزًا في تنظيم المؤلفات والتعريف بأصحابها وتصنيفها.
وقد تبدو الفهرسة عملًا هادئًا إلى جوار الاكتشافات العلمية، لكنها تجعل الوصول إلى المعرفة ممكنًا. فما جدوى آلاف اللفائف إذا لم يعرف الباحث ما تحتويه، أو كيف يعثر على العمل الذي يحتاج إليه؟
يمكن أن نتخيل صعوبة البحث في مجموعة كبيرة بلا فهرس، ثم ندرك مقدار ما يضيفه تنظيم أسماء المؤلفين وموضوعاتهم. فبناء المكتبات يحتاج إلى من يجمع الكتب، وإلى من يصنع للقارئ طريقًا واضحًا بينها.
ومن هذه الزاوية، يبدو تاريخ المكتبة قريبًا من أسئلتنا المعاصرة: كيف نرتب هذا الكم المتزايد من المعلومات؟ وكيف نميز النص المطلوب من نصوص تشبهه في الاسم أو الموضوع؟
إراتوستينس: ظلٌّ يكشف حجم الأرض
من أبرز العلماء المرتبطين بالمكتبة إراتوستينس، الذي تولى إدارتها واشتهر بمحاولته قياس محيط الأرض في القرن الثالث قبل الميلاد.
اعتمدت طريقته، بحسب الروايات التي حفظت تفاصيلها، على مقارنة وضع الشمس وقت الظهيرة عند الانقلاب الصيفي في أسوان والإسكندرية. ففي أسوان كانت الشمس قريبة من التعامد، بينما أمكن قياس زاوية ظل في الإسكندرية.
بلغت الزاوية نحو 7.2 درجات، أي جزءًا من خمسين جزءًا من الدائرة. وبالاستناد إلى تقدير المسافة بين المدينتين، استنتج أن محيط الأرض يعادل نحو خمسين مرة تلك المسافة.
هذه الفكرة توضح قوة الجمع بين الملاحظة والهندسة: فمن ظل على الأرض، ومسافة بين مدينتين، أمكن تقدير حجم الكوكب.
لكن نسبة دقة النتيجة ليست محسومة؛ لأن طول وحدة «الاستاديون» التي استُخدمت في الحساب محل خلاف. لذلك يظل وصف الإنجاز بأنه لافت أكثر دقة من تكرار نسبة خطأ محددة وكأنها متفق عليها. كما أن التجربة اعتمدت على كروية الأرض، ولم تكن أول ظهور لهذه الفكرة.
نهاية المكتبة: روايات لا حادثة محسومة
تُروى نهاية المكتبة غالبًا كأنها حريق واحد معلوم التفاصيل، بينما تشير المصادر إلى صورة أكثر التباسًا.
في سنة 48 قبل الميلاد، أشعل يوليوس قيصر حريقًا خلال القتال في الإسكندرية. وتذكر روايات لاحقة احتراق كتب، لكن موضعها وحجم الخسارة وعلاقة ذلك بالمكتبة الرئيسية تبقى مسائل خلافية.
أما تدمير معبد السرابيوم سنة 391م، فيتصل بموقع ارتبط بمكتبة فرعية، ويجب تمييزه عن المكتبة الملكية. ولا نعرف على نحو يقيني مقدار ما بقي فيه من مجموعات عند تدميره.
وتأتي رواية إحراق الكتب بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب بعد الفتح العربي في مصادر متأخرة بقرون، ويفتقر هذا الاتهام إلى سند معاصر موثوق، ويرفضه كثير من الباحثين.
وتطرح الدراسات احتمال تدهور المؤسسة تدريجيًّا بفعل الاضطرابات وتراجع الرعاية وصعوبة صيانة الكتب. لذلك لا نملك تاريخًا واحدًا قاطعًا يفسر اختفاء المكتبة بكل مكوناتها.
ماذا نخسر حين تضيع مكتبة؟
يصعب وضع قائمة دقيقة بما فُقد من مؤلفات بسبب اختفاء مكتبة الإسكندرية تحديدًا. كما لا يمكن اختزال ضياع التراث القديم كله في مصير مؤسسة واحدة.
ومع ذلك، تدفعنا الحكاية إلى التفكير في شروط بقاء المعرفة. فالنص يحتاج إلى من ينسخه ويحفظه ويقرأه، والمؤسسة تحتاج إلى موارد وعاملين واستمرار في الرعاية.
وهذا المعنى حاضر حتى في العصر الرقمي. فالملفات قد تتلف، وصيغ التخزين قد تتقادم، والمعلومات قد تصبح عسيرة الوصول إذا غاب التنظيم. إن امتلاك المعرفة لحظةً لا يضمن وصولها إلى الأجيال التالية.
المكتبة الحديثة: إحياء الفكرة
في أكتوبر 2002، افتُتحت مكتبة الإسكندرية الحديثة، مستلهمة الإرث الثقافي لسابقتها. وجاءت مؤسسة تجمع القراءة والبحث والفنون والعلوم والحوار، وتمنح نشر المعرفة وإتاحتها مكانًا أساسيًّا في رسالتها.
لا يعني هذا الإحياء أننا استعدنا اللفائف المفقودة أو عرفنا أخيرًا كل تفاصيل المبنى القديم. لكنه يمنح الحلم القديم صيغة معاصرة، تتسع للكتاب وللمصادر الرقمية وللقاء الباحثين والقراء.
وربما يكون الوفاء الأعمق لمكتبة الإسكندرية هو مواصلة الأسئلة التي يمثلها وجودها: ماذا نعرف؟ وكيف نتحقق مما نقرأ؟ وكيف نحفظ ما ننتجه لغيرنا؟ فالمعرفة تبقى حيّة حين تجد من يتعلم منها، ويناقشها، ويضيف إليها.
6.
افتتاح المكتبة الحديثة في أكتوبر 2002 ورسالتها الثقافية: مكتبة الإسكندرية — التعريف بالمؤسسة.