حين تحطّم صندوق ثمين في محلٍ صغير، وُجّه الاتهام إلى العامل الجديد مازن، بينما كان عبدالله يعرف الحقيقة. بين الخوف من تحمّل الخطأ والصمت الذي قد يدمّر حياة شخص بريء، يجد عبدالله نفسه أمام قرار لا يستطيع الهروب منه.
by شيماء الصاويReading time 4 minutes
6Read
Read the story
في أول شارع من شوارع المدينة، كان هناك محل يعرفه أهل المنطقة منذ سنوات. وفي أعلى واحد من الرفوف، كان هناك صندوق زجاجي كبير، بداخله طقم كاسات كريستال نادر، وكان صاحب المحل يعتبره من أغلى الأشياء الموجودة عنده. وكان الصندوق موضوعًا في مكان لا تصل إليه يد إلا إذا صعد صاحبها على السلم الصغير.
وكان عبدالله يعرف ذلك جيدًا.
قبل أن يغلق المحل في الليلة السابقة، قرر أن يعيد ترتيب الرفوف بنفسه. نقل بعض الصناديق من مكانها، وحمل الصندوق الزجاجي ووضعه فوق الرف بسرعة. مد يده مرة أخرى ليتأكد من ثباته، لكنه سمع صوت صاحب المحل يناديه من آخر المحل، فترك كل شيء وأطفأ النور وغادر.
في صباح اليوم التالي، كان المحل مزدحمًا بالزبائن كالمعتاد. وبعد حوالي ساعة من فتحه، دخل مازن، العامل الجديد الذي لم يكمل أسبوعه الأول بعد. كان يتحرك بحذر زائد، وكل فترة يسأل قبل أن ينقل شيئًا من مكانه.
وكان عبدالله قد لاحظ منذ أيام أن مازن يخرج هاتفه كل فترة ليتفقد الوقت، وكأنه يحسب الساعات حتى نهاية العمل. وفي إحدى الاستراحات، سمعه يتحدث مع والدته:
— متقلقيش يا أمي، أول ما القبض ينزل هجيب الدوا.
ثم أغلق الهاتف وعاد إلى عمله.
وقبل أذان الظهر بقليل، دوّى صوت ارتطام قوي.
التفت الجميع ناحية الصوت.
كان الصندوق على الأرض، والزجاج متناثرًا في كل مكان، والكاسات الكريستال التي بداخله قد تحطمت إلى قطع صغيرة.
ينتظر صالح يوم الجمعة ليلعب كرة القدم مع أبيه، لكن المطر يفسد خطته رغم دعائه بأن يتوقف. ومن خلال حديث دافئ مع والده، يتعلم أن استجابة الدعاء قد تأتي بصورة مختلفة، وأن الله يختار للإنسان الخير الذي قد لا يراه.
شيماء الصاوي4Read
— هو كان يرتب الرف منذ قليل.
احمرّ وجه مازن، وخرج صوته مهتزًا:
— أنا؟! أنا لم ألمس الصندوق أصلًا.
نظر صاحب المحل إلى الرف، ثم إلى مازن.
— أنت كنت واقفًا هنا؟
— نعم، لكن...
سكت مازن.
وفي تلك اللحظة، نظر عبدالله إلى الصندوق.
عاد إلى ذهنه مشهد الليلة السابقة: يده وهي تضعه فوق الرف، وصوت صاحب المحل وهو يناديه، ويده وهي تنسحب من دون أن تتأكد من أن الصندوق ثابت.
فتح فمه ليتكلم.
— أنا...
لكن صاحب المحل سبقه:
— هذه القطعة ثمنها كبير، وستُخصم من مرتب من كسرها. يا مازن، قبل أن تذهب تعال إلى مكتبي.
رنّت الكلمة في أذن عبدالله.
نظر مازن إليه وإلى زملائه للحظات، كأنه ينتظر منهم شيئًا.
لكن عبدالله خفض عينيه.
عاد مازن إلى عمله.
مرّ اليوم ثقيلًا. وكلما مرّ عبدالله بجوار مكان الصندوق، كان يسمع في ذهنه صوت ارتطامه بالأرض من جديد.
وفي نهاية اليوم، دخل مازن غرفة الحسابات، وبعد قليل خرج ووجهه شاحب.
كان عبدالله ينتظره أمام المحل.
قال مازن:
— سيُخصم ثمنها من مرتبي على ثلاثة أشهر.
لم يرد عبدالله.
مشى مازن بجانبه في صمت، وبعد خطوات قليلة قال:
— أنا كنت محتاج المرتب ده كامل... كنت محوش أول مرتب عشان أجيب علاج أمي، والدكتور قال ما ينفعش يتأجل.
ظل عبدالله ساكتًا.
وصلا إلى مفترق الطريق، فقال مازن:
— حسنًا يا عبدالله، أراك غدًا.
رفع عبدالله عينيه إليه.
— إن شاء الله.
ثم أضاف بسرعة:
— لا تحمل همًا... ستُحل.
ابتسم مازن ابتسامة صغيرة ومضى.
ظل عبدالله واقفًا في مكانه.
في تلك الليلة، حاول أن يجلس مع أسرته، لكنه لم يستطع أن يشاركهم الحديث. وضعت زوجته الطعام أمامه، فحرّك الملعقة في طبقه من دون أن يأكل.
سألته:
— ما بك؟
هز رأسه.
— لا شيء.
دخل غرفته، لكنه لم يستطع النوم.
كلما أغمض عينيه، رأى مازن وهو يقول: «كنت محوش أول مرتب عشان أجيب علاج أمي.»
وفي مرة، قام من السرير وجلس على طرفه.
قال لنفسه:
— أنا الذي وضعته.
ظل ساكتًا للحظات.
— إذن أنا الذي أتحمل.
في صباح اليوم التالي، قام عبدالله، وتوضأ وصلى، ثم ودّع زوجته وأولاده وخرج إلى عمله.
وصل إلى المحل مبكرًا، ولم يجد سوى صاحب المحل في مكتبه يراجع الحسابات.
طرق على الباب.
— حضرتك فاضي؟
رفع صاحب المحل عينيه.
— تعال يا عبدالله.
دخل عبدالله، وجلس أمامه.
— كنت أريد أن أقول لحضرتك شيئًا... أنا السبب في الذي حدث للصندوق.
رفع صاحب المحل رأسه.
— ماذا؟
حكى عبدالله له كل ما حدث، ثم قال:
— أنا لم أكن متأكدًا أنني وضعته ثابتًا، وكنت مستعجلًا. وعندما وقع، خفت أن أقول. لكن مازن ليس له ذنب.
سكت صاحب المحل قليلًا، ثم سأله:
— ولماذا لم تقل وقتها؟
خفض عبدالله عينيه.
— خفت من ثمنه.
ظل صاحب المحل ساكتًا.
ثم قال:
— ثمن الكاسات سيُعوّض.
رفع عبدالله عينيه.
— وأنا مستعد أن أتحمل ثمنها.
هز صاحب المحل رأسه.
— ستتحمل نتيجة خطئك، نعم. لكن قبل أي شيء، يجب أن تصلح ما حدث لمازن.
هز عبدالله رأسه.
— حاضر.
خرج من المكتب، وانتظر حتى جاء مازن.
ناداه.
توقف مازن ونظر إليه.
قال عبدالله:
— مازن، أنا كنت أعرف من أول لحظة أنك لم تفعل شيئًا.
تغيرت ملامح مازن.
— إذن لماذا سكت؟
— خفت.
— وتركتني أنا أدفع؟
خفض عبدالله عينيه.
— نعم.
سكت مازن.
ثم قال عبدالله:
— أنا آسف. لن أطلب منك أن تنسى ما حدث، لكن كان يجب أن أقول الحقيقة من البداية.
ومد يده إليه.
ظل مازن ينظر إلى يده لحظات.
ثم صافحه.
— أنا زعلان منك يا عبدالله... لكن أقدّر أنك رجعت وقلت الحقيقة.
شد عبدالله على يده.
وفي اليوم نفسه، أُعيد إلى مازن حقه، وتحمّل عبدالله ما ترتب على خطئه.
سر الزهرة البيضاء
في قلب بستان صغير، كانت الزهور تستيقظ كل صباح مع شروق الشمس، وتفتح بتلاتها واحدة تلو الأخرى وسط تغريد العصافير وقطرات الندى.
وكانت الوردة الجوري أول من يفعل ذلك.
— انظروا إليّ! قالت وهي تفتح بتلاتها بفخر. أليست ألواني جميلة؟
ضحكت زهرة الياسمين وقالت:
— جميلة؟ انتظري حتى تفوح رائحتي.
وبالقرب منهما، رفع عباد الشمس رأسه نحو السماء.
— وأنا لا أحتاج إلى أن أسأل أحدًا إن كنت جميلًا، قالت بثقة. الشمس تعرف ذلك.
كانت زهرة البنفسج تستمع إليهن من مكان قريب، وتضحك كلما سمعت واحدة منهن تتباهى.
لكن في طرف البستان، كانت هناك زهرة صغيرة ذات بتلات بيضاء لا تشاركهن الاحتفال.
كل صباح، كانت تبقي برعمها مغلقًا.
وفي صباح آخر، مرت فراشة صغيرة فوق البستان، ثم حطت للحظة على الزهرة البيضاء المغلقة. دارت حولها مرة، كأنها تبحث عن شيء، ثم طارت.
اقتربت منها زهرة البنفسج ذات يوم وقالت:
— ألا تريدين أن تتفتحي؟
هزت الزهرة رأسها.
— ليس الآن.
— ليس الآن؟ ومتى إذن؟
— لا أعرف.
ضحكت زهرة البنفسج.
— أي زهرة لا تعرف متى تتفتح؟
قال عباد الشمس:
— ربما نسيتِ كيف تفعلينها!
ضحكت بعض الزهور.
لكن الياسمينة لم تضحك.
اقتربت من الزهرة البيضاء وسألتها بهدوء:
— لماذا لا تريدين أن تتفتحي؟
نظرت الزهرة إلى بتلاتها المغلقة.
— لا أعرف... أشعر فقط أن عليّ أن أنتظر.
— تنتظرين ماذا؟
— لا أعرف.
ثم أضافت بصوت خافت:
— أشعر أن هناك شيئًا سيحدث.
هزت الياسمينة رأسها.
— أنتِ تفكرين كثيرًا.
ومضى الصباح.
وفي اليوم التالي، وفي الذي يليه، بقيت الزهرة مغلقة.
كلما فتحت الزهور بتلاتها للشمس، كانت تسمع ضحكاتهن، وهي تردد:
— ليس الآن.
حتى جاء يوم قررت فيه الياسمينة مساعدتها.
قالت:
— افتحي بتلة واحدة فقط.
ترددت الزهرة.
ثم دفعت بتلتها قليلًا.
وفجأة توقفت.
— ماذا بكِ؟ سألتها الياسمينة.
— سمعت شيئًا.
صمتت الياسمينة.
— ماذا سمعتِ؟
أصغت الزهرة.
كان هناك صوت خافت جدًا، كأنه رفرفة صغيرة خلف البتلات:
ششش... ششش...
ثم اختفى.
قالت الياسمينة:
— ربما كانت الريح.
أغلقت الزهرة بتلتها.
— ربما.
ولم تتحدثا عن الأمر مرة أخرى.
في مساء أحد الأيام، تغير لون السماء.
اختفت الشمس خلف سحابة رمادية، وبدأت الريح تهب بين أشجار البستان.
ارتجفت الزهور.
قال عباد الشمس:
— ستعود الشمس غدًا.
لكن الريح اشتدت.
ثم بدأ المطر.
في البداية كانت قطراته خفيفة، ثم تحولت إلى زخات قوية.
انحنت الزهور.
تطايرت بعض البتلات.
وتشبثت أخرى بسيقانها بكل ما تستطيع.
حاولت الوردة الجوري أن تغلق بتلاتها، لكنها لم تستطع.
وصاحت الياسمينة:
— تمسكي!
لكن الريح كانت أقوى.
وفي وسط الفوضى، ظهرت الفراشة الصغيرة.
كانت تطير بصعوبة بين قطرات المطر، تبحث عن مكان تحتمي فيه.
اقتربت من زهرة، ثم ابتعدت.
اقتربت من ورقة، فسقطت الورقة من شدة الريح.
واصلت الطيران.
ثم اختفت خلف ستار المطر.
وفي طرف البستان، بقيت الزهرة البيضاء مغلقة.
مرت الريح فوقها.
اهتز ساقها، وانحنت حتى كادت تلامس الأرض، لكنها لم تفتح.
ثم هدأ كل شيء.
في الصباح، كان البستان مختلفًا.
سقطت بتلات كثيرة على الأرض.
وانحنت بعض الزهور.
وكان الصمت يملأ المكان.
قالت زهرة البنفسج بحزن:
— ماذا حدث لنا؟
لم تجبها الياسمينة.
ثم سمع الجميع صوتًا خافتًا:
ششش... ششش...
هذه المرة كان الصوت واضحًا.
التفتت الزهرة البيضاء إلى نفسها، ثم قالت:
— إنه هنا.
— من؟ سألت الياسمينة.
لم تجب.
دفعت الزهرة بتلتها ببطء.
ثم أخرى.
وأخرى.
وفجأة ظهرت الفراشة الصغيرة من بين بتلاتها.
كانت مبتلة ومرهقة، لكنها حية.
حدقت الزهور فيها بدهشة.
قالت الوردة الجوري:
— كانت مختبئة بداخلك طوال العاصفة؟
نظرت الزهرة البيضاء إلى الفراشة.
— لم أكن أعرف.
رفرفت الفراشة بجناحيها ببطء، ثم قالت:
— لكنني كنت أعرف.
اقتربت الياسمينة.
— كيف؟
قالت الفراشة:
— عندما بدأت الريح، كنت أبحث عن مكان أحتمي فيه. رأيتكِ... ووجدتكِ الوحيدة التي لم تتفتحي.
سكتت الزهور.
نظر عباد الشمس إلى الزهرة البيضاء، ثم إلى بتلاته التي مزقها المطر.
أما الوردة الجوري، فلم تقل شيئًا هذه المرة.
في اليوم التالي، أشرقت الشمس من جديد.
بدأت الزهور تفتح بتلاتها.
الوردة الجوري أولًا.
ثم الياسمينة.
ثم عباد الشمس.
أما الزهرة البيضاء، فبقيت مغلقة قليلًا.
لم يضحك أحد.
كانت الفراشة تحوم حولها.
ثم دفعت الزهرة بتلاتها ببطء.
فتحت واحدة.
ثم ثانية.
ثم الثالثة.
دخل ضوء الصباح إلى قلبها.
وحين فتحت آخر بتلة، طارت الفراشة بعيدًا.
حلّقت فوق البستان، ثم عادت واستقرت للحظة فوق الزهرة.
همست الياسمينة:
— يبدو أنكِ كنتِ تعرفين.
ابتسمت الزهرة.
— لم أكن أعرف.
ثم نظرت إلى بتلاتها المفتوحة وقالت:
— كنت فقط أشعر أن الوقت لم يحن بعد.
ومنذ ذلك الصباح، كلما تأخرت زهرة في التفتح، لم تعد الوردة الجوري تضحك.
كانت تنتظر.
فربما كان للزهرة سبب لا يعرفه أحد.
وربما...
كان «ليس الآن» هو بالضبط ما يحتاجه أحدهم كي يصل إلى الغد.
بعد تسعة أشهر من الادخار، يصبح ياسين على بُعد خطوات من شراء الطائرة التي يحلم بها. لكن رؤيته لزميله يوسف وحقيبته المدرسية الممزقة تضعه أمام اختيار صعب بين تحقيق حلمه ومساعدة صديقه. قصة دافئة عن العطاء الخفي، والتضحية، والسعادة التي تكبر عندما نصنعها للآخرين.