يثير دفتر جلدي قديم ذو قفل صغير فضول سارة، فقد اعتاد والدها الهادئ أن يكتب فيه بعيدًا عن أعين الجميع. وعندما تعثر على مفتاحه مصادفة، تكتشف بين صفحاته سرًا مختلفًا تمامًا عما تخيلته؛ مواقف صغيرة تكشف لها أن الحب لا يُقال دائمًا بالكلمات، بل قد يظهر في أبسط التفاصيل اليومية.
by شيماء الصاويReading time 5 minutes
8Read
Read the story
كان ياسين، والد سارة، رجلًا هادئًا. عندما يعود من عمله مساءً، يخلع معطفه الداكن بحرص، ويلقي السلام بصوت دافئ وخافت، ثم يتجه إلى مكتبته الصغيرة في ركن المعيشة.
بالنسبة لسارة، ذات التسع سنوات، كانت أمها مصدر الدفء الواضح في البيت؛ أحضان دافئة، وكلمات تشجيع، وقبلات كثيرة قبل الذهاب إلى المدرسة. أما والدها، فكان يعبر عن حبه بطريقة مختلفة.
كان يصنع لها الأشياء فقط.
حين ينكسر مقبض حقيبتها المدرسية، تستيقظ صباحًا لتجده قد أصلحه بخيط متين من اللون نفسه، دون أن يتحدث عن ذلك. وحين تنزل الأمطار، تجد مظلتها الصفراء مفتوحة وجافة بجوار الباب قبل أن تخرج. وحتى عندما تأكل التفاح، تجد شرائحه مقشرة في طبقها، لأنه يعرف أنها لا تحب ملمس القشرة بين أسنانها.
كانت سارة ترى كل ذلك، لكنها اعتادت أن تفكر: «هذه أشياء يفعلها أبي».
غير أن شيئًا واحدًا في تصرفات والدها كان يثير فضولها بشدة؛ دفتر متوسط الحجم، موضوع على الرف الأخير من مكتبته.
كان الدفتر ذو غلاف جلدي نبيذي قديم، وله قفل نحاسي صغير يلمع تحت ضوء المصباح. وكان مفتاحه معلقًا في ميدالية صغيرة يحتفظ بها والدها دائمًا في جيب صديريته.
رأته سارة أكثر من مرة يمسك الدفتر في هدوء الليل، يفتحه بالمفتاح، ويكتب فيه بضعة أسطر، ثم يغلقه بعناية ويعيده إلى مكانه.
تساءلت سارة كثيرًا:
«ماذا يكتب أبي في هذا الدفتر؟ هل هي أسرار من عمله؟ أم أشياء لا يريد أن يعرفها أحد؟»
وفي صباح يوم ثلاثاء ممطر، وبينما كان والدها يستعد للخروج مسرعًا إلى عمله، تعلقت يده بطرف شال أمها الملقى على الطاولة، فانشد طرف معطفه، وسقطت من جيب صديريته ميدالية المفاتيح دون أن ينتبه.
تدحرجت الميدالية على الأرض حتى استقرت تحت الطاولة.
يحلم محمود بالفوز في مسابقة الرسم، لكن خطأً مفاجئًا يهدد لوحة فريقه، فيلقي باللوم على صديقه يونس. وبين محاولات إنقاذ اللوحة والخوف من انكشاف الحقيقة، يكتشف أن كذبة صغيرة قد تفسد شيئًا أغلى من الفوز.
شيماء الصاوي4Read
خرج والدها وأغلق الباب خلفه دون أن يلاحظ شيئًا.
ساد الهدوء في الغرفة، ولم يبقَ إلا صوت المطر على زجاج النافذة.
اقتربت سارة بخطوات خفيفة، وانحنت تحت الطاولة. وهناك، بين الظلال، لمعت قطعة نحاسية صغيرة.
إنها ميدالية المفاتيح!
تسارع قلبها. أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت نحو الباب، ثم رفعت عينيها إلى الرف الأخير من المكتبة.
سحبت الكرسي الخشبي بحذر حتى لا يصدر صوتًا، وصعدت عليه، ثم تناولت الدفتر بكلتا يديها. كان أثقل مما توقعت، وله رائحة الورق القديم.
جلست على السجادة الملونة، وأدخلت المفتاح الذي اعتاد والدها فتح القفل الصغير به. أدارته ببطء شديد، حتى صدر صوت خافت:
«تِك!»
انفتح القفل.
مررت سارة يدها على الغلاف الجلدي، ثم فتحت الصفحة الأولى بحذر، وهي تتوقع أن تجد خريطة أو أرقامًا غريبة.
لكنها وجدت خط يد والدها.
لم تكن هناك أسرار غامضة.
كانت هناك تواريخ وملاحظات قصيرة.
توقفت عند صفحة يعود تاريخها إلى أكثر من عام:
14 أكتوبر
«سارة خافت اليوم من صوت الرعد لأول مرة. ظلت تختبئ تحت غطائها وتسأل أمها عن المطر. لم أرد أن أزعجها بدخولي، فجلست بجوار باب غرفتها على الأرض، أقرأ كتابي، حتى هدأ المطر وسمعت أنفاسها المنتظمة، فعرفت أنها نامت.»
توقفت سارة عن القراءة.
تذكرت تلك الليلة جيدًا.
تذكرت خوفها من صوت الرعد، لكنها لم تكن تعرف أن والدها كان يجلس خلف باب غرفتها طوال ذلك الوقت.
قلبت الصفحة التالية، فوجدت قصاصة صغيرة من ورقة دفتر مدرسي قديمة ملصقة بشريط شفاف.
3 مارس
«سارة سقطت اليوم عن الدراجة مرتين. جرحت ركبتها وبكت كثيرًا. أردت أن أركض إليها وأحملها، لكنني أردتها أن تجرب الوقوف بمفردها. في المرة الثالثة، مسحت دموعها بمعطفها، وركبت الدراجة وواصلت القيادة دون أن تلتفت للخلف.
أظنها أصبحت أكثر شجاعة مني.»
نزلت دمعة دافئة من عين سارة وسقطت على حافة القصاصة.
قلبت صفحات أخرى.
لم تكن الصفحات مليئة بالكلمات، بل بمواقف صغيرة من حياتها.
ويوم فقدت قلمها الملون المفضل، كتب أنه بحث عنه طويلًا لأنه يعرف كم تحبه.
كانت سارة تقرأ، وتستعيد في ذهنها مواقف كثيرة ظنت فيها أن والدها لم ينتبه إليها.
وفجأة...سمعت صوت المفتاح في قفل الباب الخارجي.
تجمدت سارة في مكانها.
لقد عاد والدها!
أغلق الدفتر بسرعة، وحاولت إعادة ميدالية المفاتيح، لكن يديها ارتجفتا من الخوف.
فتح والدها باب المعيشة، فتلاقت عيناه بعينيها.
ساد الصمت.
نظر إلى الدفتر المفتوح في يديها، ثم إلى المفتاح النحاسي الذي اخرجته من الميدالية على السجادة.
لم يغضب، ولم يرفع صوته.
بدا عليه الخجل والارتباك، كأنه فوجئ بأن سرًا صغيرًا كان يحتفظ به لنفسه قد ظهر فجأة أمامها.
مسحت سارة دمعتها بكمها، وقالت بصوت خافت:
— أنا آسفة يا أبي... ما كانش من حقي أفتحه.
اقترب والدها بهدوء، وجلس على الكرسي المجاور لها.
ظل صامتًا لحظات، ثم قال:
— أنا رجعت عشان نسيت الميدالية.
خفضت سارة عينيها.
— وأنا... فتحته.
نظر والدها إلى الدفتر، ثم سألها:
— قريتِ فيه كتير؟
هزت سارة رأسها، ثم قالت:
— قريت الأيام اللي كنت بفتكر إنك مش واخد بالك مني فيها.
تنفس والدها ببطء، وابتسم ابتسامة صغيرة.
— بعتذر... كنت أتمنى ما تلاقيهوش بالطريقة دي. أنا بس... ساعات ما بأعرفش أقول الكلام اللي بحسه، فبكتبه هنا عشان ما أنساهوش.
نظرت سارة إلى الدفتر، ثم إلى يد أبيها التي طالما أصلحت ألعابها، وقشرت لها التفاح، وحملت مظلتها.
قالت بهدوء:
— أنا فهمت دلوقتي.
ابتسم والدها، ومد يده نحو الدفتر.
أغلقته سارة برفق، وأدخلت القفل في مكانه، ثم أعطته الميدالية.
أخذها والدها ووضعها في جيبه.
وقفت سارة، ثم اندفعت نحوه فجأة، وأحاطت عنقه بذراعيها. تفاجأ والدها للحظة، ثم ابتسم وضمها إليه.
قالت سارة وهي تخبئ وجهها في كتفه:
— أنا بحبك أوي يا بابا.
ابتعدت قليلًا، وقبّلت خده، ثم قالت بابتسامة صغيرة:
— وبحب الحاجات اللي بتعملها عشاني... حتى لو مش بتقولها بالكلام.
ابتسم والدها، وربّت على شعرها بحنان.
وفي تلك اللحظة، شعرت سارة أن أشياء كثيرة كان أبوها يقولها لها كل يوم، لكنها لم تكن تعرف كيف تسمعها.
في الصباح التالي، كان البيت يعج بحركته المعتادة.
كانت سارة ترتدي معطفها عند الباب، وتستعد للذهاب إلى المدرسة. فتحت حقيبتها لترتب دفاترها، فإذا بها تجد في الجيب الصغير قلمها الملون المفضل، الذي أضاعته منذ أسبوع وبكت عليه كثيرًا.
رفعت سارة عينيها نحو المكتبة.
كان والدها يقف هناك، يرتدي معطفه استعدادًا للخروج.
تتحول حديقة معتز المألوفة إلى عالم عجيب، يصبح فيه صغيرًا وتغدو قطته مشمشة رفيقة عملاقة. وبين بوابات غامضة وألغاز تحتاج إلى الملاحظة والشجاعة، ينطلق الاثنان بحثًا عن كنز لا يعرفان سره. فهل يستطيعان عبور البوابات السبع معًا؟
تحب ليلى الجلوس تحت أقدم شجرة في الحديقة، فهي الوحيدة التي تتوقف لتستمع إلى حفيف أوراقها والأصوات الصغيرة من حولها. وفي أثناء لعبها مع أصدقائها، تسمع همسًا غامضًا يخرج من جذع الشجرة.
تبدأ بينهما صداقة سرية، وتكتشف ليلى أن تحت العشب عالمًا خفيًا من الجذور والماء والكائنات الصغيرة. وعندما يهدد الجفاف الحديقة، يصبح عليها أن تستمع جيدًا وتحشد أصدقاءها لإنقاذ النباتات قبل فوات الأوان.