ملاحظة بسيطة من عم حسين، عامل الصيانة، بتفتح للمهندس سامر طريق حل مشكلة خطيرة في تصميم المشروع. لكن لما ييجي وقت التكريم، سامر بيواجه اختبارًا تاني: هل يكتفي باسمه على لوحة النجاح، ولا ينصف صاحب الملاحظة الأولى؟ حكاية عن قيمة الخبرة العملية، وحسن الاستماع، ونسب الفضل لأصحابه.
by شيماء الصاويReading time 5 minutes
4Read
Read the story
من أيام، وسامر واقف قدام المخطط، يراجع الخطوط والأرقام مرة ورا التانية. وكل ما يفتكر إنه قرب من الحل، يرجع لنفس النقطة: خط صغير واصل بين نقطتين.
لا شكله فيه مشكلة، ولا الحسابات بتقول إن فيه خطأ، ومع ذلك كان فيه حاجة مش مريحاه.
في مساء طويل، خرج سامر من غرفة المهندسين وهو لسه ماسك المخطط، فلقى عم حسين، عامل الصيانة، واقف قدام غرفة الصيانة وبيشرب الشاي.
ينتظر صالح يوم الجمعة ليلعب كرة القدم مع أبيه، لكن المطر يفسد خطته رغم دعائه بأن يتوقف. ومن خلال حديث دافئ مع والده، يتعلم أن استجابة الدعاء قد تأتي بصورة مختلفة، وأن الله يختار للإنسان الخير الذي قد لا يراه.
شيماء الصاوي4Read
ضحك حسين وقال:
— يعني أنا لا مهندس ولا بفهم في الحسابات بتاعتكم. بس أنا بقالي سنين في المكان ده، وبشوف المواسير والمعدات ومساراتها كل يوم. الخط ده كل ما أشوفه أحس إنه واخد مكان مش مكانه.
سكت سامر لحظة، ثم سأله:
— إيه اللي خلاك تحس بكده؟
قرب حسين من الورقة، وحط صباعه على الخط.
— شايف هنا؟ الخط داخل على الجزء ده، وبعدين المفروض يوصل للناحية التانية. بس لو اتنفذ بالشكل ده، المعدة اللي هنا هتقفل علينا المكان. كل مرة نيجي نعمل صيانة، هنضطر نفك حاجات عشان نوصل له.
رفع سامر عينه بسرعة.
— استنى... إنت متأكد؟
— أنا بقولك اللي بشوفه كل يوم. وبعدين، فاكر لما النسخة الأولى من المخطط كانت متعلقة عندنا في غرفة الصيانة؟ أنا قلت وقتها إن المكان ده هيبقى صعب علينا.
لأول مرة، حاول سامر يبص للمخطط مش بعين المهندس، لكن بعين الشخص اللي هيشتغل في المكان ده كل يوم.
تخيل المعدة وهي في مكانها، والمواسير حوالينها، ومسار الحركة بين الأجزاء.
بص للخط مرة تانية.
ثم للمعدة.
ثم رجع للخط.
وفجأة، مد إيده للحسابات.
بدأ يراجعها من الزاوية الجديدة اللي فتحها له كلام حسين.
راجع المسار، ثم توزيع الحمل، ثم العلاقة بين الجزء ده وباقي التصميم.
وتوقف.
رجع خطوة.
حسبها من جديد.
النتيجة كانت مختلفة عن اللي كان شايفه طول الأيام اللي فاتت.
المشكلة ما كانتش في الخط لوحده.
مكانه كان بيغيّر توزيع الحمل على الجزء كله.
ولو اتنفذ التصميم بالشكل الموجود في المخطط، المشكلة مش هتظهر وقت الصيانة بس؛ كانت هتظهر بعد تشغيل المشروع، وساعتها إصلاحها كان هيكلفهم وقتًا وفلوسًا، وممكن يوقف المشروع بالكامل.
فضل سامر ساكت شوية، وهو باصص للمخطط.
هو كان بيراجع نفس الأرقام من أيام، ومع ذلك ما شافش اللي شافه حسين.
مش لأن حسين كان أعلم منه بالحسابات، لكن لأنه كان بيبص للمكان من زاوية مختلفة.
رفع سامر رأسه ناحية الباب ونادى:
— عم حسين!
دخل حسين بسرعة.
قال سامر وهو بيبص له:
— إنت عارف إنك لسه موفر علينا مصيبة؟
ضحك حسين باستغراب:
— مصيبة إيه يا باشمهندس؟
— الخط اللي إنت وقفتني عنده هو اللي كان عامل المشكلة.
اتسعت عينا حسين.
— بجد؟
ابتسم سامر ومد إيده له.
— بجد. وشكرًا إنك قلت لي.
صافحه حسين وقال ببساطة:
— ولا شكر ولا حاجة. أنا بس قلت اللي شفته.
اتصلح الخلل، وكمل الفريق شغله، وبعد أسابيع نجح المشروع.
احتفلت الشركة بالإنجاز، وأعلنت الإدارة عن حفل لتكريم الفريق.
وعلى لوحة الشركة اتكتب اسم سامر في المقدمة:
«المهندس سامر — تقديرًا لجهوده في إنقاذ المشروع.»
قرأ سامر الجملة، ثم ابتعد.
وقبل الحفل بيوم، احتاج سامر نسخة قديمة من المخطط عشان يراجع آخر التعديلات ويتأكد إن الخطأ اتصلح في كل النسخ، فنزل للأرشيف يبحث عنها.
وبعد وقت، لقى النسخة الأولى.
فتحها.
وتوقف.
على هامش الصفحة، بالقلم الرصاص، كانت فيه دائرة صغيرة حوالين نفس الخط، وبجوارها جملة بخط غير مرتب:
«المكان ده هيبقى صعب في الصيانة.»
عرف سامر الخط فورًا.
خط عم حسين.
فضل باصص للورقة لحظات.
هو ما كانش بس أول واحد لاحظ المشكلة.
كان أول واحد كتبها.
سامر فاكر كويس إنه شاف النسخة دي قبل كده، لكنه وقتها كان مركز في الأرقام والحسابات، وعدّى على الملاحظة من غير ما يسأل مين كتبها.
طوى الورقة وحطها في جيبه.
في المساء، صعد سامر إلى المنصة وسط التصفيق.
وقف المدير بجواره وقال:
— النهارده بنكرّم المهندس سامر، اللي أثبت إن الخبرة والاجتهاد يقدروا ينقذوا أصعب المشاريع.
تعالت التصفيقات.
أخذ سامر الميكروفون، ونظر إلى لوحة التكريم للحظات.
ثم قال:
— ممكن أقول حاجة؟
هدأ المكان.
— الاسم المكتوب هناك ناقص.
ساد الصمت.
أخرج سامر الورقة من جيبه، ورفعها أمام الحضور.
— أنا اشتغلت على المشكلة، وراجعت الحسابات، ووصلت للحل. وده مجهود أنا فخور بيه.
توقف لحظة، ثم قال:
— بس أول واحد شاف المشكلة ما كانش أنا.
نظر ناحية آخر القاعة.
كان عم حسين واقفًا هناك، متابعًا الموقف وهو مش فاهم سامر بيبص له ليه.
قال سامر:
— عم حسين هو اللي وقفني عند الخط ده. ولما سألته إزاي عرف، ما قالش إنه فاهم في الحسابات، ولا حاول ياخد دور مش دوره. قال لي ببساطة إنه بقاله سنين بيشوف المكان ده، وعينه قالت له إن الخط ده واخد مكان مش مكانه.
ثم رفع الورقة.
— ولما رجعت للنسخة الأولى، لقيت إنه كان كاتب نفس الملاحظة من البداية.
نظر سامر إلى المدير وقال:
— أنا مش بطلب إن اسمي يتشال. أنا بطلب إن اسم الراجل اللي بدأ الحكاية يتحط جنبه.
لم يتكلم أحد للحظات.
ثم بدأ التصفيق من آخر القاعة.
التفت سامر، فوجد عم حسين بيضحك وهو يهز رأسه، وكأنه بيقول له: «ما كانش لها لازمة كل دي.»
سر الزهرة البيضاء
في قلب بستان صغير، كانت الزهور تستيقظ كل صباح مع شروق الشمس، وتفتح بتلاتها واحدة تلو الأخرى وسط تغريد العصافير وقطرات الندى.
وكانت الوردة الجوري أول من يفعل ذلك.
— انظروا إليّ! قالت وهي تفتح بتلاتها بفخر. أليست ألواني جميلة؟
ضحكت زهرة الياسمين وقالت:
— جميلة؟ انتظري حتى تفوح رائحتي.
وبالقرب منهما، رفع عباد الشمس رأسه نحو السماء.
— وأنا لا أحتاج إلى أن أسأل أحدًا إن كنت جميلًا، قالت بثقة. الشمس تعرف ذلك.
كانت زهرة البنفسج تستمع إليهن من مكان قريب، وتضحك كلما سمعت واحدة منهن تتباهى.
لكن في طرف البستان، كانت هناك زهرة صغيرة ذات بتلات بيضاء لا تشاركهن الاحتفال.
كل صباح، كانت تبقي برعمها مغلقًا.
وفي صباح آخر، مرت فراشة صغيرة فوق البستان، ثم حطت للحظة على الزهرة البيضاء المغلقة. دارت حولها مرة، كأنها تبحث عن شيء، ثم طارت.
اقتربت منها زهرة البنفسج ذات يوم وقالت:
— ألا تريدين أن تتفتحي؟
هزت الزهرة رأسها.
— ليس الآن.
— ليس الآن؟ ومتى إذن؟
— لا أعرف.
ضحكت زهرة البنفسج.
— أي زهرة لا تعرف متى تتفتح؟
قال عباد الشمس:
— ربما نسيتِ كيف تفعلينها!
ضحكت بعض الزهور.
لكن الياسمينة لم تضحك.
اقتربت من الزهرة البيضاء وسألتها بهدوء:
— لماذا لا تريدين أن تتفتحي؟
نظرت الزهرة إلى بتلاتها المغلقة.
— لا أعرف... أشعر فقط أن عليّ أن أنتظر.
— تنتظرين ماذا؟
— لا أعرف.
ثم أضافت بصوت خافت:
— أشعر أن هناك شيئًا سيحدث.
هزت الياسمينة رأسها.
— أنتِ تفكرين كثيرًا.
ومضى الصباح.
وفي اليوم التالي، وفي الذي يليه، بقيت الزهرة مغلقة.
كلما فتحت الزهور بتلاتها للشمس، كانت تسمع ضحكاتهن، وهي تردد:
— ليس الآن.
حتى جاء يوم قررت فيه الياسمينة مساعدتها.
قالت:
— افتحي بتلة واحدة فقط.
ترددت الزهرة.
ثم دفعت بتلتها قليلًا.
وفجأة توقفت.
— ماذا بكِ؟ سألتها الياسمينة.
— سمعت شيئًا.
صمتت الياسمينة.
— ماذا سمعتِ؟
أصغت الزهرة.
كان هناك صوت خافت جدًا، كأنه رفرفة صغيرة خلف البتلات:
ششش... ششش...
ثم اختفى.
قالت الياسمينة:
— ربما كانت الريح.
أغلقت الزهرة بتلتها.
— ربما.
ولم تتحدثا عن الأمر مرة أخرى.
في مساء أحد الأيام، تغير لون السماء.
اختفت الشمس خلف سحابة رمادية، وبدأت الريح تهب بين أشجار البستان.
ارتجفت الزهور.
قال عباد الشمس:
— ستعود الشمس غدًا.
لكن الريح اشتدت.
ثم بدأ المطر.
في البداية كانت قطراته خفيفة، ثم تحولت إلى زخات قوية.
انحنت الزهور.
تطايرت بعض البتلات.
وتشبثت أخرى بسيقانها بكل ما تستطيع.
حاولت الوردة الجوري أن تغلق بتلاتها، لكنها لم تستطع.
وصاحت الياسمينة:
— تمسكي!
لكن الريح كانت أقوى.
وفي وسط الفوضى، ظهرت الفراشة الصغيرة.
كانت تطير بصعوبة بين قطرات المطر، تبحث عن مكان تحتمي فيه.
اقتربت من زهرة، ثم ابتعدت.
اقتربت من ورقة، فسقطت الورقة من شدة الريح.
واصلت الطيران.
ثم اختفت خلف ستار المطر.
وفي طرف البستان، بقيت الزهرة البيضاء مغلقة.
مرت الريح فوقها.
اهتز ساقها، وانحنت حتى كادت تلامس الأرض، لكنها لم تفتح.
ثم هدأ كل شيء.
في الصباح، كان البستان مختلفًا.
سقطت بتلات كثيرة على الأرض.
وانحنت بعض الزهور.
وكان الصمت يملأ المكان.
قالت زهرة البنفسج بحزن:
— ماذا حدث لنا؟
لم تجبها الياسمينة.
ثم سمع الجميع صوتًا خافتًا:
ششش... ششش...
هذه المرة كان الصوت واضحًا.
التفتت الزهرة البيضاء إلى نفسها، ثم قالت:
— إنه هنا.
— من؟ سألت الياسمينة.
لم تجب.
دفعت الزهرة بتلتها ببطء.
ثم أخرى.
وأخرى.
وفجأة ظهرت الفراشة الصغيرة من بين بتلاتها.
كانت مبتلة ومرهقة، لكنها حية.
حدقت الزهور فيها بدهشة.
قالت الوردة الجوري:
— كانت مختبئة بداخلك طوال العاصفة؟
نظرت الزهرة البيضاء إلى الفراشة.
— لم أكن أعرف.
رفرفت الفراشة بجناحيها ببطء، ثم قالت:
— لكنني كنت أعرف.
اقتربت الياسمينة.
— كيف؟
قالت الفراشة:
— عندما بدأت الريح، كنت أبحث عن مكان أحتمي فيه. رأيتكِ... ووجدتكِ الوحيدة التي لم تتفتحي.
سكتت الزهور.
نظر عباد الشمس إلى الزهرة البيضاء، ثم إلى بتلاته التي مزقها المطر.
أما الوردة الجوري، فلم تقل شيئًا هذه المرة.
في اليوم التالي، أشرقت الشمس من جديد.
بدأت الزهور تفتح بتلاتها.
الوردة الجوري أولًا.
ثم الياسمينة.
ثم عباد الشمس.
أما الزهرة البيضاء، فبقيت مغلقة قليلًا.
لم يضحك أحد.
كانت الفراشة تحوم حولها.
ثم دفعت الزهرة بتلاتها ببطء.
فتحت واحدة.
ثم ثانية.
ثم الثالثة.
دخل ضوء الصباح إلى قلبها.
وحين فتحت آخر بتلة، طارت الفراشة بعيدًا.
حلّقت فوق البستان، ثم عادت واستقرت للحظة فوق الزهرة.
همست الياسمينة:
— يبدو أنكِ كنتِ تعرفين.
ابتسمت الزهرة.
— لم أكن أعرف.
ثم نظرت إلى بتلاتها المفتوحة وقالت:
— كنت فقط أشعر أن الوقت لم يحن بعد.
ومنذ ذلك الصباح، كلما تأخرت زهرة في التفتح، لم تعد الوردة الجوري تضحك.
كانت تنتظر.
فربما كان للزهرة سبب لا يعرفه أحد.
وربما...
كان «ليس الآن» هو بالضبط ما يحتاجه أحدهم كي يصل إلى الغد.
بعد تسعة أشهر من الادخار، يصبح ياسين على بُعد خطوات من شراء الطائرة التي يحلم بها. لكن رؤيته لزميله يوسف وحقيبته المدرسية الممزقة تضعه أمام اختيار صعب بين تحقيق حلمه ومساعدة صديقه. قصة دافئة عن العطاء الخفي، والتضحية، والسعادة التي تكبر عندما نصنعها للآخرين.