عندما تنكسر الكرة الأرضية في الفصل، يخشى كريم الاعتراف بأنه تسبب في سقوطها من دون قصد، فيجيب بسرعة: «مش أنا!». لكن كذبته لا تمنحه الشعور بالأمان، ويجد نفسه ممزقًا بين الخوف وقول الحقيقة. بمساندة صديقه يوسف وتفهّم معلمه، يتعلم كريم أن الاعتراف بالخطأ هو أول خطوة نحو إصلاحه.
by شيماء الصاويReading time 6 minutes
4Read
Read the story
مش أنا!
كانت الحصة الاولى في فصل "الثالث ب" تقترب من نهايتها.
جلس يوسف في مكانه يلوّن برجًا صغيرًا في مشروع "مدينة المستقبل"، بينما كان كريم، صديقه المقرب، يبني بجانبه برجًا طويلًا من المكعبات الملونة.
رفع كريم مكعبًا أحمر وقال:
— بص يا يوسف، لو حطيت ده فوق، البرج هيبقى أطول من برجك.
ضحك يوسف.
— بس برجي أحلى.
— لأ، بتاعتي أطول.
مد كريم يده ليأخذ المكعب الأحمر الذي تركه على الطاولة الأخرى.
ينتظر صالح يوم الجمعة ليلعب كرة القدم مع أبيه، لكن المطر يفسد خطته رغم دعائه بأن يتوقف. ومن خلال حديث دافئ مع والده، يتعلم أن استجابة الدعاء قد تأتي بصورة مختلفة، وأن الله يختار للإنسان الخير الذي قد لا يراه.
شيماء الصاوي4Read
لم يتكلم أحد، ظل كريم واقفًا مكانه، وعيناه معلقتان بالكرة المكسورة.
كان يوسف قد رأى كل شيء، رأى ذراع كريم وهي تصطدم بالبرج، ورأى المكعبات وهي تدفع الكرة، ورأى لحظة سقوطها.
التفت كريم إليه، لم يقل شيئًا،. لكنه هز رأسه ببطء.
لا تتكلم.
ثم عاد إلى مقعده، وأمسك قلمه، وبدأ يحركه فوق الورقة دون أن يرسم شيئًا.
في تلك اللحظة دخل المعلم سليم، توقف عند الباب، ونظر إلى الأرض، ثم إلى الأطفال.
— إيه اللي حصل؟
لم يجب أحد.
اقترب المعلم بحذر من الكرة المكسورة.
— محدش يتحرك من مكانه عشان الكرة دي.
ثم رفع رأسه.
— مين اللي كسرها؟
ساد الصمت.
نظر بعض الأطفال إلى بعضهم، ثم قال طفل من آخر الفصل:
— مش أنا.
قال طفل آخر:
— ولا أنا.
ثم جاء الدور على كريم، رفع رأسه للحظة، ثم أعاد النظر إلى الأرض.
— مش أنا.
شعر يوسف بشيء ثقيل في صدره.
نظر إليه المعلم سليم.
— يوسف، أنت كنت قريب من الطاولة. شفت إيه اللي حصل؟
فتح يوسف فمه، ثم أغلقه، نظر إلى كريم.
كان كريم ينظر إليه هذه المرة بعينين خائفتين.
فكر يوسف في الفسحة التي يقضيانها معًا كل يوم، وفي شطيرة المربى التي يتقاسمانها، وفي كل مرة وقف فيها كريم بجانبه عندما احتاج إليه.
لكنه تذكر أيضًا الكرة المكسورة.
قال بصوت منخفض:
— أنا... مش اللي كسرها.
ظل المعلم ينظر إليه لحظة، ثم قال:
— تمام. بس لسه محتاج أعرف إيه اللي حصل.
نظر إلى الفصل كله، ثم رن على العاملة لتنظف المكان، فجاءت سريعًا وفعلت، ما أن خرجت، قال المعلم:
— هنكمل الحصة، وبعدها نشوف الموضوع ده.
عاد الأطفال إلى أماكنهم، لكن أحدًا لم يركز في شرح معلمه.
جلس كريم ساكتًا، وظل يوسف ينظر إلى ورقته دون أن يضيف كلمة واحدة فيها، وقد لاحظ المعلم ذلك.
وبعد دقائق، بدأ المعلم يسأل الطلاب ولم يشاركا أي من يوسف أو كريم.
انتهت الحصة، وجمع المعلم كتبه وأوراقه، وقبل أن يخرج، قال:
— الكرة دي كانت غالية وممكن نصلحها، لكن أهم حاجة أعرف إزاي اتكسرت.
ثم نظر إلى الأطفال، ثم إلى يوسف وكريم:
— أنا هكون في مكتبي. لو حد محتاجني، أو لو حد عايز يحكيلي إيه اللي حصل، يقدر ييجي.
خرج المعلم.
وبمجرد أن رن الجرس، اندفع الأطفال إلى الفناء، إلا كريم، مشى بتمهل.
جلس تحت شجرة الليمون وحده، ظل يحرك حجرًا صغيرًا بطرف حذائه، ثم يدفعه بعيدًا، ثم يعود إليه.
وقف يوسف عند باب الفصل ونظر إليه، كان يستطيع أن يذهب إلى الملعب.
لكنه لم يفعل، ذهب وجلس بجانب كريم، لم يتحدث أي منهما في البداية.
ثم قال كريم:
— أنت زعلان مني؟
— شوية.
رفع كريم رأسه.
— ليه؟
قال يوسف:
— عشان قلت "مش أنا".
خفض كريم عينيه.
— كنت عايزني أقول إيه؟
— الحقيقة.
ظل كريم صامتًا.
ثم قال:
— عشان لو قلت الحقيقة، الأستاذ سليم هيعاقبني.
— يمكن يزعق لك.
— وبابا وماما كمان.
سكت قليلًا، ثم قال:
— بابا بيزعل جدًا لما أغلط.
قال يوسف:
— بس أنت ما كنتش قاصد تكسرها.
رفع كريم عينيه.
— هو هيصدقني؟
— جرب.
هز كريم رأسه.
— لأ.
— ليه؟
لم يجب كريم.
ظل ينظر إلى الحجر الموجود أمامه.
قال يوسف:
— بابا وماما دايمًا بيقولولي لو غلطت، أقول الحقيقة، وأعتذر، وأحاول ما أعملش نفس الغلط تاني.
ابتسم كريم ابتسامة صغيرة، لكنها اختفت بسرعة.
— بس أنا دائمًا بيخوفوني أغلط.
— يعني إيه؟
— يعني لما الواحد يكون خايف، مش بيقدر يقول "أنا".
نظر يوسف إلى صديقه، ولم يجد ما يقوله، جلس بجانبه قليلًا، ثم قال:
— طب لو أنا جيت معاك؟
رفع كريم رأسه.
— فين؟
— للأستاذ سليم.
ظل كريم ينظر إليه.
— وهتقول له إني أنا؟
— لأ.
— أمال؟
— هكون جنبك وأنت بتقول.
خفض كريم رأسه مرة أخرى، وقال:
— خايف.
وضع يوسف يده على كتفه.
— بس أنا معاك.
رن الجرس معلنًا انتهاء الفسحة، عاد الطفلان إلى الفصل، لكن كريم لم يعد يستطيع التفكير في الدرس.
كان ينظر بين وقت وآخر إلى مكتب المعلم، وحين انتهت الحصة الأخيرة، بدأ الأطفال في الخروج.
وقف كريم عند الباب، ثم عاد خطوتين إلى الداخل.
نظر إلى يوسف.
— تيجي؟
ابتسم يوسف.
— أيوه.
ذهبا معًا إلى مكتب المعلم سليم.
طرقا الباب.
— ادخل.
دخل كريم أولًا.
وقف أمام المكتب، بينما وقف يوسف إلى جواره.
نظر المعلم إليهما.
— فيه حاجة يا ولاد؟
أخذ كريم نفسًا عميقًا.
— يا أستاذ سليم...توقف.
نظر إلى يوسف، هز يوسف رأسه.
أعاد كريم نظره إلى المعلم.
— أنا اللي كسرت الكرة.
ظل المعلم ساكتًا.
أكمل كريم بسرعة:
— كنت باخد مكعب، وخبطت في البرج. أنا ما كنتش أقصد. بس لما سألتني خفت وقلت "مش أنا".
تنفس كريم ببطء.
— أنا آسف.
ابتسم المعلم سليم.
— أولًا شكرًا إنك جيت وقولتلي.
ثم نظر إلى الكرة المكسورة.
—ثانيًا الغلط حصل. دلوقتي نفكر نصلحه إزاي.
نظر كريم إليه باستغراب.
— مش هتعاقبني؟
قال المعلم:
— هنتكلم عن اللي حصل، وهتساعدني تصلح اللي تقدر عليه. لكن قبل كده، عايز أسألك سؤالًا.
رفع كريم عينيه.
— كنت خايف من إيه بالضبط؟
سكت كريم.
نظر المعلم إلى يوسف.
— يوسف، ممكن تستنى بره شوية؟
خرج يوسف.
جلس المعلم أمام كريم وقال بهدوء:
— أنا مش بسألك عشان أزعق لك.
ظل كريم ساكتًا.
وبعد لحظات قال:
— كنت خايف إن بابا وماما يزعلوا مني، لو عرفوا، وكمان حضرتك هتزعقلي زيهم.
سأله المعلم:
— عشان كده قلت "مش أنا"؟
هز كريم رأسه.
— أيوه.
— ولما قلتها، حسيت أنك ارتحت وفي أمان؟
فكر كريم قليلًا، ثم هز رأسه.
— لأ.
ابتسم المعلم.
— ليه؟
نظر كريم إلى الأرض.
— عشان كنت عارف إن يوسف شافني.
ضحك المعلم ضحكة صغيرة.
— يبقى الخوف ما خلصش المشكلة.
نظر كريم إليه.
— أعمل إيه؟
قال المعلم:
— تبدأ من هنا. تقول الحقيقة لما تغلط، وتحاول تصلح اللي حصل حتى لو محدش شافك، اتفقنا؟
كريم: اتفقنا
ثم سكت المعلم قليلًا، وقال:
— وأنا هتكلم مع بابا وماما عن اللي حصل. مش عشان ألومهم، لكن عشان نساعدك كلنا إنك لما تغلط تعرف إنك تقدر تقول الحقيقة وتتكلم معانا من غير ما الخوف يمنعك.
نظر كريم إليه.
— حاضر.
ثم أشار إلى الباب.
— ويلا، روح لصاحبك، عرفه إنك هتستنى شوية.
خرج كريم منطلقًا من المكتب.
كان يوسف ينتظره في الخارج.
— خلصت؟
هز كريم رأسه.
— أيوه خلصنا كلام، بس لسه فيه حاجة أخيرة.
— قال هنصلحها؟
ابتسم كريم.
— قالي نصلحها.
نظر يوسف إليه.
— بس؟
— بس.
ضحك الاثنان.
ثم عاد كريم إلى المكتب مع المعلم سليم.
وضع المعلم الكرة أمامه، وأحضر قطعة الجزء الذي انفصل عنها، ثم أخرج مادة لاصقة صغيرة.
جلس كريم إلى جواره.
قال المعلم:
— امسكها كده.
أمسك كريم الجزء المكسور ووضعه في مكانه.
— كده؟
— أيوه، بس خليك ثابت شوية.
ظل كريم ممسكًا بها، بينما ساعده المعلم في تثبيتها.
وبعد لحظات، قال المعلم:
— خلاص، سيبها تنشف.
نظر كريم إلى الكرة.
كان الشرخ لا يزال ظاهرًا.
قال:
— هتفضل كده؟
— أيوه، الشرخ هيفضل باين شوية.
ظل كريم ينظر إليها.
ثم قال:
— بس اتصلحت.
ابتسم المعلم.
— أيوه. اتصلحت.
وفي اليوم التالي، وضع المعلم سليم الكرة الأرضية على مكتبه في الفصل الثالث.
لم تعد كما كانت تمامًا، لكن الجزء الذي انفصل عنها كان مثبتًا في مكانه.
وقف كريم بجانبها، ثم نظر إلى يوسف.
— شكلها غريب.
ضحك يوسف.
— بس أحسن من إنها تفضل مكسورة.
نظر كريم إليها مرة أخرى، ثم أخذ المكعبات من الأرض وأعادها إلى الصندوق.
سر الزهرة البيضاء
في قلب بستان صغير، كانت الزهور تستيقظ كل صباح مع شروق الشمس، وتفتح بتلاتها واحدة تلو الأخرى وسط تغريد العصافير وقطرات الندى.
وكانت الوردة الجوري أول من يفعل ذلك.
— انظروا إليّ! قالت وهي تفتح بتلاتها بفخر. أليست ألواني جميلة؟
ضحكت زهرة الياسمين وقالت:
— جميلة؟ انتظري حتى تفوح رائحتي.
وبالقرب منهما، رفع عباد الشمس رأسه نحو السماء.
— وأنا لا أحتاج إلى أن أسأل أحدًا إن كنت جميلًا، قالت بثقة. الشمس تعرف ذلك.
كانت زهرة البنفسج تستمع إليهن من مكان قريب، وتضحك كلما سمعت واحدة منهن تتباهى.
لكن في طرف البستان، كانت هناك زهرة صغيرة ذات بتلات بيضاء لا تشاركهن الاحتفال.
كل صباح، كانت تبقي برعمها مغلقًا.
وفي صباح آخر، مرت فراشة صغيرة فوق البستان، ثم حطت للحظة على الزهرة البيضاء المغلقة. دارت حولها مرة، كأنها تبحث عن شيء، ثم طارت.
اقتربت منها زهرة البنفسج ذات يوم وقالت:
— ألا تريدين أن تتفتحي؟
هزت الزهرة رأسها.
— ليس الآن.
— ليس الآن؟ ومتى إذن؟
— لا أعرف.
ضحكت زهرة البنفسج.
— أي زهرة لا تعرف متى تتفتح؟
قال عباد الشمس:
— ربما نسيتِ كيف تفعلينها!
ضحكت بعض الزهور.
لكن الياسمينة لم تضحك.
اقتربت من الزهرة البيضاء وسألتها بهدوء:
— لماذا لا تريدين أن تتفتحي؟
نظرت الزهرة إلى بتلاتها المغلقة.
— لا أعرف... أشعر فقط أن عليّ أن أنتظر.
— تنتظرين ماذا؟
— لا أعرف.
ثم أضافت بصوت خافت:
— أشعر أن هناك شيئًا سيحدث.
هزت الياسمينة رأسها.
— أنتِ تفكرين كثيرًا.
ومضى الصباح.
وفي اليوم التالي، وفي الذي يليه، بقيت الزهرة مغلقة.
كلما فتحت الزهور بتلاتها للشمس، كانت تسمع ضحكاتهن، وهي تردد:
— ليس الآن.
حتى جاء يوم قررت فيه الياسمينة مساعدتها.
قالت:
— افتحي بتلة واحدة فقط.
ترددت الزهرة.
ثم دفعت بتلتها قليلًا.
وفجأة توقفت.
— ماذا بكِ؟ سألتها الياسمينة.
— سمعت شيئًا.
صمتت الياسمينة.
— ماذا سمعتِ؟
أصغت الزهرة.
كان هناك صوت خافت جدًا، كأنه رفرفة صغيرة خلف البتلات:
ششش... ششش...
ثم اختفى.
قالت الياسمينة:
— ربما كانت الريح.
أغلقت الزهرة بتلتها.
— ربما.
ولم تتحدثا عن الأمر مرة أخرى.
في مساء أحد الأيام، تغير لون السماء.
اختفت الشمس خلف سحابة رمادية، وبدأت الريح تهب بين أشجار البستان.
ارتجفت الزهور.
قال عباد الشمس:
— ستعود الشمس غدًا.
لكن الريح اشتدت.
ثم بدأ المطر.
في البداية كانت قطراته خفيفة، ثم تحولت إلى زخات قوية.
انحنت الزهور.
تطايرت بعض البتلات.
وتشبثت أخرى بسيقانها بكل ما تستطيع.
حاولت الوردة الجوري أن تغلق بتلاتها، لكنها لم تستطع.
وصاحت الياسمينة:
— تمسكي!
لكن الريح كانت أقوى.
وفي وسط الفوضى، ظهرت الفراشة الصغيرة.
كانت تطير بصعوبة بين قطرات المطر، تبحث عن مكان تحتمي فيه.
اقتربت من زهرة، ثم ابتعدت.
اقتربت من ورقة، فسقطت الورقة من شدة الريح.
واصلت الطيران.
ثم اختفت خلف ستار المطر.
وفي طرف البستان، بقيت الزهرة البيضاء مغلقة.
مرت الريح فوقها.
اهتز ساقها، وانحنت حتى كادت تلامس الأرض، لكنها لم تفتح.
ثم هدأ كل شيء.
في الصباح، كان البستان مختلفًا.
سقطت بتلات كثيرة على الأرض.
وانحنت بعض الزهور.
وكان الصمت يملأ المكان.
قالت زهرة البنفسج بحزن:
— ماذا حدث لنا؟
لم تجبها الياسمينة.
ثم سمع الجميع صوتًا خافتًا:
ششش... ششش...
هذه المرة كان الصوت واضحًا.
التفتت الزهرة البيضاء إلى نفسها، ثم قالت:
— إنه هنا.
— من؟ سألت الياسمينة.
لم تجب.
دفعت الزهرة بتلتها ببطء.
ثم أخرى.
وأخرى.
وفجأة ظهرت الفراشة الصغيرة من بين بتلاتها.
كانت مبتلة ومرهقة، لكنها حية.
حدقت الزهور فيها بدهشة.
قالت الوردة الجوري:
— كانت مختبئة بداخلك طوال العاصفة؟
نظرت الزهرة البيضاء إلى الفراشة.
— لم أكن أعرف.
رفرفت الفراشة بجناحيها ببطء، ثم قالت:
— لكنني كنت أعرف.
اقتربت الياسمينة.
— كيف؟
قالت الفراشة:
— عندما بدأت الريح، كنت أبحث عن مكان أحتمي فيه. رأيتكِ... ووجدتكِ الوحيدة التي لم تتفتحي.
سكتت الزهور.
نظر عباد الشمس إلى الزهرة البيضاء، ثم إلى بتلاته التي مزقها المطر.
أما الوردة الجوري، فلم تقل شيئًا هذه المرة.
في اليوم التالي، أشرقت الشمس من جديد.
بدأت الزهور تفتح بتلاتها.
الوردة الجوري أولًا.
ثم الياسمينة.
ثم عباد الشمس.
أما الزهرة البيضاء، فبقيت مغلقة قليلًا.
لم يضحك أحد.
كانت الفراشة تحوم حولها.
ثم دفعت الزهرة بتلاتها ببطء.
فتحت واحدة.
ثم ثانية.
ثم الثالثة.
دخل ضوء الصباح إلى قلبها.
وحين فتحت آخر بتلة، طارت الفراشة بعيدًا.
حلّقت فوق البستان، ثم عادت واستقرت للحظة فوق الزهرة.
همست الياسمينة:
— يبدو أنكِ كنتِ تعرفين.
ابتسمت الزهرة.
— لم أكن أعرف.
ثم نظرت إلى بتلاتها المفتوحة وقالت:
— كنت فقط أشعر أن الوقت لم يحن بعد.
ومنذ ذلك الصباح، كلما تأخرت زهرة في التفتح، لم تعد الوردة الجوري تضحك.
كانت تنتظر.
فربما كان للزهرة سبب لا يعرفه أحد.
وربما...
كان «ليس الآن» هو بالضبط ما يحتاجه أحدهم كي يصل إلى الغد.
بعد تسعة أشهر من الادخار، يصبح ياسين على بُعد خطوات من شراء الطائرة التي يحلم بها. لكن رؤيته لزميله يوسف وحقيبته المدرسية الممزقة تضعه أمام اختيار صعب بين تحقيق حلمه ومساعدة صديقه. قصة دافئة عن العطاء الخفي، والتضحية، والسعادة التي تكبر عندما نصنعها للآخرين.