انتظارٌ في المحطة
انتظارٌ في المحطة
About the story
رجل مسن يجلس وحيدًا في محطة قطار، ممسكًا بورقة قديمة، وينتظر شخصًا لا يتذكر اسمه. وبينما يحاول موظف الأمن مساعدته، تكشف الساعات الأخيرة من الانتظار عن شيء أعمق من النسيان… شيء لا تستطيع الذاكرة أن تمحوه.

Read the story
في آخر رصيف المحطة، كان رجل مسن يجلس منذ أكثر من ساعتين. لم يكن يبدو فقيرًا أو متسولًا؛ كان يرتدي معطفًا رماديًا واسعًا، ويقبض على ورقة مطوية. كل فترة يفتحها، ينظر إليها طويلًا، ثم يعيدها إلى جيبه.
لاحظ أحمد، موظف الأمن، أنه لم يصعد إلى أي قطار، فاقترب منه.
— حضرتك مستني حد؟
رفع الرجل عينيه.
— آه.
— مين؟
صمت قليلًا.
— مش فاكر.
سأله أحمد عن اسمه، فأجابه باسم. وبعد دقائق سأله مرة أخرى، فأجابه باسم مختلف.
أدرك أحمد أنه تائه، فأبلغ المسؤول وحاولا معرفة عنوانه من الورقة، لكن الكتابة كانت قديمة وغير واضحة.
نظر أحمد إلى ساعته. بقي نصف ساعة على انتهاء ورديته، وكانت ابنته تنتظره؛ وعدها أن يأخذها في نزهة تلك الليلة.
أخرج هاتفه واتصل بها.
— معلش يا حبيبتي، هنأجلها لبكرة. بابا اتأخر وعنده حد محتاجه.
جاء صوتها متضايقًا:
— بس إنت وعدتني يا بابا.
— عارف. وحقك عليّ. بكرة نختار المكان اللي تحبيه.
© All rights reserved. Copying, republishing, distributing or exploiting this content, in whole or in part, without prior written permission from the rights holder is prohibited, except as permitted by applicable law. Rights to the works and sources referred to remain with their owners.

اعتاد حازم أن يرى في تفاصيل حياته اليومية أسبابًا للضيق، حتى قاده عطل بسيارته إلى محل ساعات صغير. هناك، يلتقي عجوزًا يحتفظ بأشياء تبدو بلا قيمة، لكنها تحمل حكايات أشخاص أحبهم وفقدهم. لقاء عابر يدفعه إلى تأمل حياته بعين مختلفة. قصة إنسانية عن الامتنان، ودفء العائلة، وقيمة ما نملك قبل أن يصبح مجرد ذكرى.
— طيب… بس متتأخرش.
ابتسم.
— حاضر.
أنهى المكالمة، ثم قال لمسؤوله:
— خليني أقعد معاه لحد ما حد ييجي.
جلس بجوار الرجل. كان الرجل كلما ظهر شخص عند مدخل الرصيف يرفع رأسه، ثم يعيد الورقة إلى جيبه.
وبعد وقت طويل قال:
— أنا مش عارف مستني مين… بس متأكد إنه هييجي.
وقبل منتصف الليل بقليل، ارتفعت أصوات خطوات مسرعة عند مدخل الرصيف.
كان شاب يتحرك بين الناس بسرعة، يوقف أحدهم لثوانٍ، ثم يريه صورة على هاتفه.
— شفتوا الراجل ده؟ معاه معطف رمادي… شعره أبيض.
يهز أحدهم رأسه بالنفي، فينتقل إلى شخص آخر.
— لو سمحت، بص على الصورة… شفته؟
كان القلق واضحًا في صوته. خلفه، كان عاملان من المحطة يساعدانه في البحث، وأحدهما يشير إلى رصيف آخر.
— فتشنا الناحية دي كلها، ممكن يكون راح للرصيف التاني.
استدار الشاب بسرعة، وركض.
ومن بعيد، لمح أحمد الحركة عند مدخل الرصيف. ثم رأى الشاب يتوقف فجأة.
ثبت مكانه لحظة.
كانت عيناه تبحثان بين المقاعد والوجوه، حتى استقرتا على الرجل ذي المعطف الرمادي.
— بابا!
رفع الرجل رأسه.
لم يتحرك.
ركض الشاب نحوه، وجثا أمامه واحتضنه طويلًا، كأنه يريد أن يتأكد أنه وجده فعلًا.
ظل الرجل ساكنًا للحظات، ثم رفع يده ووضعها على كتف ابنه.
ابتعد الشاب قليلًا، وراح يتفحص وجهه وملابسه.
— إنت كويس؟ حصل لك حاجة؟ إحنا بقالنا ساعات بندور عليك.
ثم التفت إلى أحمد.
— حضرتك كنت معاه؟
أومأ أحمد.
— من أكتر من ساعتين.
تنفس الشاب بعمق، ثم قال:
— دي أول مرة يخرج لوحده من بعد ما بدأت حالته تتعب.
وقع بصره على الورقة التي كان والده يقبض عليها.
— دي كانت معاه؟
ناولَهَا أحمد.
فتحها الشاب.
ما إن رأى الكتابة حتى سكت.
مرر إصبعه على الورقة برفق، ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
— دي خط أمي.
رفع عينيه إلى أبيه.
— هو ساعات بينساها هي كمان… بس الورقة دي عمره ما رضي يسيبها.
نظر أحمد إلى الرجل.
كان قد نسي اسمه وعنوانه، وربما نسي حتى من ينتظر.
لكنه ظل متمسكًا بشيء لم يعد يعرف لماذا يعني له كل هذا.
استدار أحمد ليغادر، فناداه الرجل:
— يا أستاذ… أحمد!
التفت بدهشة.
— حضرتك فاكر اسمي؟
ابتسم الرجل.
— إنت لسه قايله.
ثم أمسك يد ابنه وقال:
— كنت خايف تمشي وتسيبني لوحدي.
ضغط الابن على يده.
— مقدرش يا بابا.
وغادرا معًا.

ينتظر صالح يوم الجمعة ليلعب كرة القدم مع أبيه، لكن المطر يفسد خطته رغم دعائه بأن يتوقف. ومن خلال حديث دافئ مع والده، يتعلم أن استجابة الدعاء قد تأتي بصورة مختلفة، وأن الله يختار للإنسان الخير الذي قد لا يراه.

سر الزهرة البيضاء في قلب بستان صغير، كانت الزهور تستيقظ كل صباح مع شروق الشمس، وتفتح بتلاتها واحدة تلو الأخرى وسط تغريد العصافير وقطرات الندى. وكانت الوردة الجوري أول من يفعل ذلك. — انظروا إليّ! قالت وهي تفتح بتلاتها بفخر. أليست ألواني جميلة؟ ضحكت زهرة الياسمين وقالت: — جميلة؟ انتظري حتى تفوح رائحتي. وبالقرب منهما، رفع عباد الشمس رأسه نحو السماء. — وأنا لا أحتاج إلى أن أسأل أحدًا إن كنت جميلًا، قالت بثقة. الشمس تعرف ذلك. كانت زهرة البنفسج تستمع إليهن من مكان قريب، وتضحك كلما سمعت واحدة منهن تتباهى. لكن في طرف البستان، كانت هناك زهرة صغيرة ذات بتلات بيضاء لا تشاركهن الاحتفال. كل صباح، كانت تبقي برعمها مغلقًا. وفي صباح آخر، مرت فراشة صغيرة فوق البستان، ثم حطت للحظة على الزهرة البيضاء المغلقة. دارت حولها مرة، كأنها تبحث عن شيء، ثم طارت. اقتربت منها زهرة البنفسج ذات يوم وقالت: — ألا تريدين أن تتفتحي؟ هزت الزهرة رأسها. — ليس الآن. — ليس الآن؟ ومتى إذن؟ — لا أعرف. ضحكت زهرة البنفسج. — أي زهرة لا تعرف متى تتفتح؟ قال عباد الشمس: — ربما نسيتِ كيف تفعلينها! ضحكت بعض الزهور. لكن الياسمينة لم تضحك. اقتربت من الزهرة البيضاء وسألتها بهدوء: — لماذا لا تريدين أن تتفتحي؟ نظرت الزهرة إلى بتلاتها المغلقة. — لا أعرف... أشعر فقط أن عليّ أن أنتظر. — تنتظرين ماذا؟ — لا أعرف. ثم أضافت بصوت خافت: — أشعر أن هناك شيئًا سيحدث. هزت الياسمينة رأسها. — أنتِ تفكرين كثيرًا. ومضى الصباح. وفي اليوم التالي، وفي الذي يليه، بقيت الزهرة مغلقة. كلما فتحت الزهور بتلاتها للشمس، كانت تسمع ضحكاتهن، وهي تردد: — ليس الآن. حتى جاء يوم قررت فيه الياسمينة مساعدتها. قالت: — افتحي بتلة واحدة فقط. ترددت الزهرة. ثم دفعت بتلتها قليلًا. وفجأة توقفت. — ماذا بكِ؟ سألتها الياسمينة. — سمعت شيئًا. صمتت الياسمينة. — ماذا سمعتِ؟ أصغت الزهرة. كان هناك صوت خافت جدًا، كأنه رفرفة صغيرة خلف البتلات: ششش... ششش... ثم اختفى. قالت الياسمينة: — ربما كانت الريح. أغلقت الزهرة بتلتها. — ربما. ولم تتحدثا عن الأمر مرة أخرى. في مساء أحد الأيام، تغير لون السماء. اختفت الشمس خلف سحابة رمادية، وبدأت الريح تهب بين أشجار البستان. ارتجفت الزهور. قال عباد الشمس: — ستعود الشمس غدًا. لكن الريح اشتدت. ثم بدأ المطر. في البداية كانت قطراته خفيفة، ثم تحولت إلى زخات قوية. انحنت الزهور. تطايرت بعض البتلات. وتشبثت أخرى بسيقانها بكل ما تستطيع. حاولت الوردة الجوري أن تغلق بتلاتها، لكنها لم تستطع. وصاحت الياسمينة: — تمسكي! لكن الريح كانت أقوى. وفي وسط الفوضى، ظهرت الفراشة الصغيرة. كانت تطير بصعوبة بين قطرات المطر، تبحث عن مكان تحتمي فيه. اقتربت من زهرة، ثم ابتعدت. اقتربت من ورقة، فسقطت الورقة من شدة الريح. واصلت الطيران. ثم اختفت خلف ستار المطر. وفي طرف البستان، بقيت الزهرة البيضاء مغلقة. مرت الريح فوقها. اهتز ساقها، وانحنت حتى كادت تلامس الأرض، لكنها لم تفتح. ثم هدأ كل شيء. في الصباح، كان البستان مختلفًا. سقطت بتلات كثيرة على الأرض. وانحنت بعض الزهور. وكان الصمت يملأ المكان. قالت زهرة البنفسج بحزن: — ماذا حدث لنا؟ لم تجبها الياسمينة. ثم سمع الجميع صوتًا خافتًا: ششش... ششش... هذه المرة كان الصوت واضحًا. التفتت الزهرة البيضاء إلى نفسها، ثم قالت: — إنه هنا. — من؟ سألت الياسمينة. لم تجب. دفعت الزهرة بتلتها ببطء. ثم أخرى. وأخرى. وفجأة ظهرت الفراشة الصغيرة من بين بتلاتها. كانت مبتلة ومرهقة، لكنها حية. حدقت الزهور فيها بدهشة. قالت الوردة الجوري: — كانت مختبئة بداخلك طوال العاصفة؟ نظرت الزهرة البيضاء إلى الفراشة. — لم أكن أعرف. رفرفت الفراشة بجناحيها ببطء، ثم قالت: — لكنني كنت أعرف. اقتربت الياسمينة. — كيف؟ قالت الفراشة: — عندما بدأت الريح، كنت أبحث عن مكان أحتمي فيه. رأيتكِ... ووجدتكِ الوحيدة التي لم تتفتحي. سكتت الزهور. نظر عباد الشمس إلى الزهرة البيضاء، ثم إلى بتلاته التي مزقها المطر. أما الوردة الجوري، فلم تقل شيئًا هذه المرة. في اليوم التالي، أشرقت الشمس من جديد. بدأت الزهور تفتح بتلاتها. الوردة الجوري أولًا. ثم الياسمينة. ثم عباد الشمس. أما الزهرة البيضاء، فبقيت مغلقة قليلًا. لم يضحك أحد. كانت الفراشة تحوم حولها. ثم دفعت الزهرة بتلاتها ببطء. فتحت واحدة. ثم ثانية. ثم الثالثة. دخل ضوء الصباح إلى قلبها. وحين فتحت آخر بتلة، طارت الفراشة بعيدًا. حلّقت فوق البستان، ثم عادت واستقرت للحظة فوق الزهرة. همست الياسمينة: — يبدو أنكِ كنتِ تعرفين. ابتسمت الزهرة. — لم أكن أعرف. ثم نظرت إلى بتلاتها المفتوحة وقالت: — كنت فقط أشعر أن الوقت لم يحن بعد. ومنذ ذلك الصباح، كلما تأخرت زهرة في التفتح، لم تعد الوردة الجوري تضحك. كانت تنتظر. فربما كان للزهرة سبب لا يعرفه أحد. وربما... كان «ليس الآن» هو بالضبط ما يحتاجه أحدهم كي يصل إلى الغد.