اعتاد حازم أن يرى في تفاصيل حياته اليومية أسبابًا للضيق، حتى قاده عطل بسيارته إلى محل ساعات صغير. هناك، يلتقي عجوزًا يحتفظ بأشياء تبدو بلا قيمة، لكنها تحمل حكايات أشخاص أحبهم وفقدهم. لقاء عابر يدفعه إلى تأمل حياته بعين مختلفة. قصة إنسانية عن الامتنان، ودفء العائلة، وقيمة ما نملك قبل أن يصبح مجرد ذكرى.
by شيماء الصاويReading time 5 minutes
11Read
Read the story
كان يملك كل ما يحتاج إليه تقريبًا، لكنه لم يكن يرى ذلك.
هكذا كان يبدأ يوم حازم. ففي كل صباح، كان يتذمر من الشاي الذي تعدّه زوجته بالطريقة نفسها كل يوم؛ شايًا ثقيلًا كثير السكر، ومن صوت أطفاله وهم يستعدون للمدرسة، ومن أمه التي تتصل به أكثر مما ينبغي، ومن عمله الذي لا يترك له وقتًا لنفسه.
«متى سأحظى بالحياة التي تُسعدني؟» كان هذا سؤاله الدائم لنفسه كل صباح، ثم يجيب عنه بالطريقة نفسها:
— يومًا ما سأرتاح.
وفي مساء يوم شتوي، تعطلت سيارة حازم في طريق عودته إلى منزله. خرج منها ووقف إلى جوارها لدقائق، يلتفت حوله بحثًا عمّن يساعده. مرت سيارة، ثم أخرى، وانتظر طويلًا، لكن لم يتوقف أحد. حتى قرر أن يترك سيارته ويكمل سيره على الطريق، لعله يجد من يساعده.
لم يكمل دقيقتين حتى وجد محلًا صغيرًا موارب الباب في أول الطريق. وما إن اقترب حتى قرأ اللافتة: «إصلاح الساعات».
دخل المحل، فوجد رجلًا عجوزًا جالسًا خلف مكتبه، منكّس الرأس فوق ساعة يمسكها بين يديه، وأمامه شاب يتحدث معه عن ساعته.
كان كلاهما منشغلًا بالحديث، وما إن دخل حازم حتى رفع العجوز والشاب رأسيهما نحوه.
رجل مسن يجلس وحيدًا في محطة قطار، ممسكًا بورقة قديمة، وينتظر شخصًا لا يتذكر اسمه. وبينما يحاول موظف الأمن مساعدته، تكشف الساعات الأخيرة من الانتظار عن شيء أعمق من النسيان… شيء لا تستطيع الذاكرة أن تمحوه.
شيماء الصاوي6Read
ابتسم الرجل.
— لا، هذه أشياء أحب الاحتفاظ بها.
ابتسم حازم ابتسامة حملت شيئًا من السخرية الخفيفة، لم يقصد أن تظهر على وجهه. لكن الرجل لمحها، فابتسم له، ثم أمسك بتذكرة حافلة قديمة.
— هذه تذكرة أول مرة سافرت فيها مع زوجتي، رحمها الله.
ثم رفع مفتاحًا صدئًا.
— وهذا مفتاح بيتنا القديم؛ البيت الذي تزوجت فيه، وُلد فيه أول أبنائي، وعشنا فيه حتى وسّع الله علينا.
وأخرج ملعقة صغيرة.
— وهذه كانت لأمي، كانت تفضلها كثيرًا.
نظر إلى الأشياء أمامه، ثم قال:
— كلها أشياء بسيطة، لكن قيمتها في أصحابها، وفي قدرهم عندي. أتدري يا أستاذ؟ لم أعترض يومًا على غياب أحد منهم، ولم أقل: لماذا يا رب؟ ولم أنقم. بل عشت عمري ممتنًا لأن لدي لكل واحد منهم شيئًا يذكرني به. مجرد أن أمسك الشيء، يتذكر قلبي وعقلي كل مواقفنا معًا.
ثم أعاد الأغراض إلى صندوق صغير بجانبه، وقال:
— في الحقيقة، كنت قد أخرجتها لأحضر قطع إكسسوار لساعات غالية كنت أحتفظ بها في الصندوق، وكنت أحتاج إليها للشاب الذي كان هنا.
لم يتحدث حازم. ظل ينظر إلى الأشياء، ثم إلى العجوز بتأثر.
قال:
— وتحتفظ بهذه الأشياء من أجل ذكرياتك معهم؟
تأمل الرجل وجه حازم طويلًا قبل أن يقول:
— لأن كل شيء منها كان عاديًا جدًا... حتى لم يعد موجودًا.
سكت حازم.
عاد الرجل إلى ترتيب أشيائه، ثم سأله:
— وأنت؟ هل تحتفظ بشيء؟
فكر حازم قليلًا، ثم قال:
— ليس لدي شيء يستحق.
رفع الرجل عينيه إليه باستغراب، ثم قال:
— أحيانًا لا يعرف الإنسان قيمة الشيء وهو بين يديه، إلا عندما يبحث عنه بعد أن يختفي.
سكت قليلًا، ثم نظر إلى حازم وقال:
— ربما لهذا يحتاج الإنسان إلى أن ينظر إلى الشيء وهو لا يزال موجودًا، قبل أن يتحول إلى ذكرى.
لم يفهم حازم تمامًا ما يقصده، أو ربما لم يُرِد أن يفهم.
ابتسم العجوز وأشار إلى ساعته.
— كنت أنظر إلى هذه الساعة كل يوم، ولا أرى فيها سوى ساعة. أما الآن، فعندما أمسكها، أتذكر يد زوجتي وهي تقدمها إليّ في بداية زواجنا.
ثم مرر يده على المفتاح القديم.
— وهذا المفتاح... كنت أتضايق كلما عدت إلى البيت ووجدته في جيبي، وأقول: متى سنترك هذا البيت الضيق ونعيش في مكان أفضل؟ أما الآن، فأتمنى لو أستطيع الوقوف أمام بابه دقيقة واحدة فقط.
نظر حازم إلى الأشياء صامتًا.
قال العجوز:
— ربما لا تتغير الأشياء يا أستاذ... نحن فقط نتأخر في معرفة قيمتها.
في تلك اللحظة، رن هاتف الرجل.
نظر إلى الشاشة، ثم أغلقه دون أن يجيب.
سأله حازم:
— ابنك؟
هز الرجل رأسه.
— ابني مات منذ سبع سنوات مع والدته في حادث.
ثم أشار إلى الأشياء حوله وقال:
— منذ ذلك الوقت بدأت أجمع كل شيء كنت أراه عاديًا.
ساد الصمت للحظات.
ثم سأل الرجل:
— أتيت لإصلاح ساعتك؟
ابتسم حازم وقال:
— سيارتي تعطلت، وأحتاج إلى معرفة أقرب ميكانيكي.
قال العجوز:
— هناك عم محمود قريب من هنا. دقيقة، سأتصل به.
— شكرًا لك.
أعطاه الرجل رقم عم محمود، وخرج حازم متجهًا إلى سيارته.
بعد نحو نصف ساعة، انتهى عم محمود من إصلاح السيارة. دفع له حازم الحساب، وشكره، ثم تحرك بسيارته.
في الطريق إلى البيت، ظل يفكر في سؤال الرجل:
هل لدي شيء أخاف أن أبحث عنه يومًا ولا أجده؟
عندما وصل، وجد زوجته تنتظره عند الباب.
— تأخرت يا حبيبي، حمدًا لله على السلامة.
— الله يسلمك. تعطلت السيارة واحتاج إصلاحها إلى بعض الوقت.
دخل حازم، وكاد يتذمر من يومه كعادته، لكنه توقف عندما رأى الغداء جاهزًا، وأطفاله يلعبون أمام التلفاز في انتظار عودته ليتناولوا الطعام معهم.
دخل ليغير ملابسه، فوجد حذاء ابنته الصغيرة قرب الباب، ودفتر ابنه مفتوحًا على الطاولة.
ولدهشته، لأول مرة، لم تبدُ له هذه الأشياء عادية.
غيّر ملابسه سريعًا، وعاد إليهم ليتناول الغداء. ولأول مرة منذ وقت طويل، سأل أطفاله:
— ماذا فعلتم في المدرسة اليوم يا أولاد؟
تحدثوا معًا بحماس، ولم يزعجه صوتهم هذه المرة، بل ظل يبتسم لهم ولزوجته.
بعد الغداء، وبينما كانت زوجته تُحضّر الشاي، اتصل بأمه.
وعندما أجابت، قال:
— اشتقت إليكِ.
سكتت أمه لحظة، ثم ضحكت.
وفي تلك الليلة، قبل أن ينام، فتح حازم درجًا صغيرًا ووضع فيه شيئًا واحدًا.
إيصال إصلاح السيارة.
لم تكن له قيمة تُذكر.
لكنه أراد أن يحتفظ به.
لأنه كان، بالنسبة إليه، ذكرى الليلة التي بدأ فيها يرى الأشياء التي كان يظنها عادية... ويعرف قيمتها قبل أن تصبح ذكرى.
ينتظر صالح يوم الجمعة ليلعب كرة القدم مع أبيه، لكن المطر يفسد خطته رغم دعائه بأن يتوقف. ومن خلال حديث دافئ مع والده، يتعلم أن استجابة الدعاء قد تأتي بصورة مختلفة، وأن الله يختار للإنسان الخير الذي قد لا يراه.
سر الزهرة البيضاء
في قلب بستان صغير، كانت الزهور تستيقظ كل صباح مع شروق الشمس، وتفتح بتلاتها واحدة تلو الأخرى وسط تغريد العصافير وقطرات الندى.
وكانت الوردة الجوري أول من يفعل ذلك.
— انظروا إليّ! قالت وهي تفتح بتلاتها بفخر. أليست ألواني جميلة؟
ضحكت زهرة الياسمين وقالت:
— جميلة؟ انتظري حتى تفوح رائحتي.
وبالقرب منهما، رفع عباد الشمس رأسه نحو السماء.
— وأنا لا أحتاج إلى أن أسأل أحدًا إن كنت جميلًا، قالت بثقة. الشمس تعرف ذلك.
كانت زهرة البنفسج تستمع إليهن من مكان قريب، وتضحك كلما سمعت واحدة منهن تتباهى.
لكن في طرف البستان، كانت هناك زهرة صغيرة ذات بتلات بيضاء لا تشاركهن الاحتفال.
كل صباح، كانت تبقي برعمها مغلقًا.
وفي صباح آخر، مرت فراشة صغيرة فوق البستان، ثم حطت للحظة على الزهرة البيضاء المغلقة. دارت حولها مرة، كأنها تبحث عن شيء، ثم طارت.
اقتربت منها زهرة البنفسج ذات يوم وقالت:
— ألا تريدين أن تتفتحي؟
هزت الزهرة رأسها.
— ليس الآن.
— ليس الآن؟ ومتى إذن؟
— لا أعرف.
ضحكت زهرة البنفسج.
— أي زهرة لا تعرف متى تتفتح؟
قال عباد الشمس:
— ربما نسيتِ كيف تفعلينها!
ضحكت بعض الزهور.
لكن الياسمينة لم تضحك.
اقتربت من الزهرة البيضاء وسألتها بهدوء:
— لماذا لا تريدين أن تتفتحي؟
نظرت الزهرة إلى بتلاتها المغلقة.
— لا أعرف... أشعر فقط أن عليّ أن أنتظر.
— تنتظرين ماذا؟
— لا أعرف.
ثم أضافت بصوت خافت:
— أشعر أن هناك شيئًا سيحدث.
هزت الياسمينة رأسها.
— أنتِ تفكرين كثيرًا.
ومضى الصباح.
وفي اليوم التالي، وفي الذي يليه، بقيت الزهرة مغلقة.
كلما فتحت الزهور بتلاتها للشمس، كانت تسمع ضحكاتهن، وهي تردد:
— ليس الآن.
حتى جاء يوم قررت فيه الياسمينة مساعدتها.
قالت:
— افتحي بتلة واحدة فقط.
ترددت الزهرة.
ثم دفعت بتلتها قليلًا.
وفجأة توقفت.
— ماذا بكِ؟ سألتها الياسمينة.
— سمعت شيئًا.
صمتت الياسمينة.
— ماذا سمعتِ؟
أصغت الزهرة.
كان هناك صوت خافت جدًا، كأنه رفرفة صغيرة خلف البتلات:
ششش... ششش...
ثم اختفى.
قالت الياسمينة:
— ربما كانت الريح.
أغلقت الزهرة بتلتها.
— ربما.
ولم تتحدثا عن الأمر مرة أخرى.
في مساء أحد الأيام، تغير لون السماء.
اختفت الشمس خلف سحابة رمادية، وبدأت الريح تهب بين أشجار البستان.
ارتجفت الزهور.
قال عباد الشمس:
— ستعود الشمس غدًا.
لكن الريح اشتدت.
ثم بدأ المطر.
في البداية كانت قطراته خفيفة، ثم تحولت إلى زخات قوية.
انحنت الزهور.
تطايرت بعض البتلات.
وتشبثت أخرى بسيقانها بكل ما تستطيع.
حاولت الوردة الجوري أن تغلق بتلاتها، لكنها لم تستطع.
وصاحت الياسمينة:
— تمسكي!
لكن الريح كانت أقوى.
وفي وسط الفوضى، ظهرت الفراشة الصغيرة.
كانت تطير بصعوبة بين قطرات المطر، تبحث عن مكان تحتمي فيه.
اقتربت من زهرة، ثم ابتعدت.
اقتربت من ورقة، فسقطت الورقة من شدة الريح.
واصلت الطيران.
ثم اختفت خلف ستار المطر.
وفي طرف البستان، بقيت الزهرة البيضاء مغلقة.
مرت الريح فوقها.
اهتز ساقها، وانحنت حتى كادت تلامس الأرض، لكنها لم تفتح.
ثم هدأ كل شيء.
في الصباح، كان البستان مختلفًا.
سقطت بتلات كثيرة على الأرض.
وانحنت بعض الزهور.
وكان الصمت يملأ المكان.
قالت زهرة البنفسج بحزن:
— ماذا حدث لنا؟
لم تجبها الياسمينة.
ثم سمع الجميع صوتًا خافتًا:
ششش... ششش...
هذه المرة كان الصوت واضحًا.
التفتت الزهرة البيضاء إلى نفسها، ثم قالت:
— إنه هنا.
— من؟ سألت الياسمينة.
لم تجب.
دفعت الزهرة بتلتها ببطء.
ثم أخرى.
وأخرى.
وفجأة ظهرت الفراشة الصغيرة من بين بتلاتها.
كانت مبتلة ومرهقة، لكنها حية.
حدقت الزهور فيها بدهشة.
قالت الوردة الجوري:
— كانت مختبئة بداخلك طوال العاصفة؟
نظرت الزهرة البيضاء إلى الفراشة.
— لم أكن أعرف.
رفرفت الفراشة بجناحيها ببطء، ثم قالت:
— لكنني كنت أعرف.
اقتربت الياسمينة.
— كيف؟
قالت الفراشة:
— عندما بدأت الريح، كنت أبحث عن مكان أحتمي فيه. رأيتكِ... ووجدتكِ الوحيدة التي لم تتفتحي.
سكتت الزهور.
نظر عباد الشمس إلى الزهرة البيضاء، ثم إلى بتلاته التي مزقها المطر.
أما الوردة الجوري، فلم تقل شيئًا هذه المرة.
في اليوم التالي، أشرقت الشمس من جديد.
بدأت الزهور تفتح بتلاتها.
الوردة الجوري أولًا.
ثم الياسمينة.
ثم عباد الشمس.
أما الزهرة البيضاء، فبقيت مغلقة قليلًا.
لم يضحك أحد.
كانت الفراشة تحوم حولها.
ثم دفعت الزهرة بتلاتها ببطء.
فتحت واحدة.
ثم ثانية.
ثم الثالثة.
دخل ضوء الصباح إلى قلبها.
وحين فتحت آخر بتلة، طارت الفراشة بعيدًا.
حلّقت فوق البستان، ثم عادت واستقرت للحظة فوق الزهرة.
همست الياسمينة:
— يبدو أنكِ كنتِ تعرفين.
ابتسمت الزهرة.
— لم أكن أعرف.
ثم نظرت إلى بتلاتها المفتوحة وقالت:
— كنت فقط أشعر أن الوقت لم يحن بعد.
ومنذ ذلك الصباح، كلما تأخرت زهرة في التفتح، لم تعد الوردة الجوري تضحك.
كانت تنتظر.
فربما كان للزهرة سبب لا يعرفه أحد.
وربما...
كان «ليس الآن» هو بالضبط ما يحتاجه أحدهم كي يصل إلى الغد.