لص الزمن
لص الزمن
ساعة غامضة تمنح عليًّا القدرة على إعادة الزمن دقيقة واحدة، لكن كل دقيقة لها ثمن من عمره. ومع تكرار استخدام قوتها، يكتشف أن إنقاذ الآخرين قد يتحول إلى رغبة خطيرة في التحكم في الزمن.

لم يسرق عليٌّ شيئًا في حياته، إلى أن وجد الساعة.
كانت ساعة جيبٍ فضية، بلا أرقام، يتحرك عقرباها إلى الخلف في دورانٍ منتظم. وجدها داخل صندوق قديم في دكان عمه للساعات، تحت مجموعة من الساعات المعطلة التي طواها النسيان.
وما إن لامست أطراف أصابعه معدنها البارد، حتى سرت في جسده قشعريرة. ثم سمع صوتًا هامسًا، لا يعرف من أين جاء:
— دقيقة واحدة فقط.
التفت عليٌّ بسرعة، فلم يجد في الدكان أحدًا.
ظن أنه توهم الصوت، وهمَّ أن يضع الساعة مكانها، لكن صوت اصطدامٍ عنيف وفرامل حادة شقّا الشارع.
هرول إلى الخارج، فرأى سيارة مسرعة تنحرف نحو طفل يعبر الطريق.
بلا تفكير، أمسك عليٌّ الساعة وأدار عقربها إلى الخلف.
وفجأة، تراجع كل شيء.
ورقة كانت تهبط إلى الأسفلت عادت إلى يد صاحبها، وقطرة مطر ارتفعت إلى السماء، والسيارة رجعت إلى الخلف، والطفل عاد خطوة... ثم خطوتين... إلى الرصيف.
توقفت الساعة.
وعاد الزمن إلى اللحظة التي سبقت الخطر.
اندفعت السيارة مجددًا، لكن عليًّا كان أسرع هذه المرة؛ اندفع نحو الطفل وسحبه بعيدًا.
نظر الطفل إليه، ثم ركض إلى أمه.
ظل عليٌّ واقفًا للحظات، يحدق في الشارع.
في المساء، ترك الساعة على الطاولة، وأغلق باب غرفته خلفه.
لكنه حين استيقظ صباحًا، شعر بثقلٍ في جيب بنطاله.
أخرجها ببطء.
كانت الساعة هناك، ولم يتذكر أنه وضعها في جيبه.
قلبها بين أصابعه، فلاحظ نقشًا متوهجًا على ظهرها لم يكن موجودًا بالأمس:
00:01:00
وتحته كلمة واحدة:
المسروق.
في تلك اللحظة، شعر بهبوطٍ خاطف في ضربات قلبه، وإجهادٍ غريب في مفاصله لم يعهده من قبل.
قلّب الساعة بين أصابعه، وأدار العقرب دقيقة أخرى للتجربة.
فصار الرقم:
00:02:00
ولمح في مرآته خصلةً رمادية صغيرة تنبت في شعره الحالك.
هنا فهم الحقيقة.
الساعة لا تمنحه وقتًا مجانيًا؛ إنها تلتهم من عمره. كل دقيقة يعيد بها الزمن، تُقتطع من عمره هو، وتظهر آثارها على جسده.
كان المفترض أن يخاف على شبابه.
لكنه تذكر الطفل الذي كان سيموت قبل دقيقة واحدة.
لو كانت الساعة تستطيع أن تمنح شخصًا فرصة أخرى... فكم روحًا يمكن إنقاذها مقابل بضع دقائق من عمره؟
أغلق كفه عليها، ولم يفكر في الثمن طويلًا.
في اليوم التالي، رأى امرأة تنزلق على درجات المحطة، فأدار الساعة وأنقذها.
بعدها بيوم، كاد سائق شاحنة أن يصطدم بسيارة صغيرة، فتدخل عليٌّ مرة أخرى.
ثم جاء اليوم الذي رأى فيه طفلًا يسقط منه هاتفه.
لم يكن هناك خطر على حياة أحد؛ كان يستطيع أن ينتظر حتى تمر السيارات ثم يلتقطه.
توقف عليٌّ للحظة.
نظر إلى الساعة، ثم أدار العقرب.
عاد الهاتف إلى يد الطفل قبل أن يسقط.
ابتسم عليٌّ.
كانت تلك أول مرة يستخدم فيها الساعة من أجل شيء بسيط يستطيع العالم أن يحتمل خسارته.
ومنذ ذلك اليوم، تغير شيء فيه.
لم يعد ينتظر الكوارث، بل صار يبحث عنها.
أصبح يمشي في الشوارع بعينين تراقبان اللحظات التي يمكن تعديلها.
كلما رأى خطأ، سأل نفسه:
— ماذا لو أرجعتُ دقيقة واحدة فقط؟
وبعد كل استخدام، كان يزداد وجهه شحوبًا، بينما الرقم على ظهر الساعة يرتفع:
00:04:00
ثم:
00:07:00
ثم:
00:12:00
لم يعد الأمر مجرد إنقاذ؛ أصبح عليٌّ يحب الشعور بأنه يستطيع إعادة صياغة الواقع.
وفي ليلة غائمة، لمح رجلًا يرتدي معطفًا داكنًا في الجهة المقابلة، يحمل ساعة جيبٍ فضية تماثل ساعته.
رفع الرجل الساعة ونظر إليها، ثم رفع عينيه إلى عليٍّ.
مرت سيارة بينهما...
وعندما عبرت، لم يكن الرجل هناك.
في الليلة التالية رآه مرة أخرى.
وفي الثالثة، وجده واقفًا أمام دكان عمه مباشرة.
قال الرجل بنبرة خافتة:
— أنت بتسرق الدقايق غلط.
تجمد عليٌّ.
— من أنت؟
ابتسم الرجل ابتسامة باردة.
— بيسموني جامع الساعات.
أخرج ساعته الفضية، وتابع:
— أنت بتدفع من عمرك عشان ترجع دقيقة تغيّر بيها حادثة... أما أنا، فتعلمت أستخدم الساعة بطريقة تانية.
سكت عليٌّ لحظة، ثم سأل:
— يعني إيه؟
أخرج الرجل هاتفه.
ظهرت على الشاشة صورة فتاة صغيرة راقدة في المستشفى بين الأجهزة، وفي يدها ساعة قديمة.
قال الرجل بصوت خافت:
— بنتي مريضة بالقلب، والأطباء قالوا إن أيامها معدودة.
ظل عليٌّ ينظر إلى الصورة.
تابع الرجل:
— اكتشفت إن الساعة تقدر تسحب من عمر شخص تاني... وتنقل العمر المسروق إلى شخص تاني.
خفض عينيه إلى ساعته.
— في البداية كنت بقول لنفسي: سنة واحدة من غريب مش هتفرق. بعدين بقيت سنتين... وبعدين بقيت أقول: طالما هي هتعيش، إيه اللي يمنع؟
ثم نظر إلى عليٍّ.
— ساعتك أقوى من ساعتي. لو أعطيتني إياها، أقدر أنقل عشرين سنة من عمر رجل عجوز طاعن في السن إلى بنتي.
ظل عليٌّ صامتًا.
ثم قال:
— تسرق عشرين سنة من عمر إنسان عشان تعيش هي؟
هز الرجل رأسه.
— أيوه.
— لا.
وانصرف.
لكن الكلام ظل يطارده.
وبدأ عليٌّ يلاحظ حقيقة أخرى أشد قسوة.
الساعة لا تلغي العواقب، بل قد تغيّر مكانها.
عندما أعاد دقيقة لينقذ امرأة من السقوط، انحرفت المرأة واصطدمت برجل آخر، فسقطت منه حقيبة زجاجية وتكسرت.
وحين منع حادث سيارة عند الإشارة، نجا السائق، لكن دراجة انحرفت فجأة بسبب الوقوف المفاجئ وسقط راكبها.
لم يمت أحد.
لكن عليًّا فهم شيئًا أخافه:
هو لا يعرف كل ما يسببه تدخله.
شعر بالخوف.
لم يعد يعرف كم دقيقة اقتطعها من عمره، وكم أثرًا تركه في العالم دون أن يدري.
عاد إلى دكان عمه، وأخرج الساعة، وظل ينظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— انتهى الأمر.
في اللحظة نفسها، ظهر جامع الساعات خلفه.
— تأخرت.
استدار عليٌّ وقال بصرامة:
— هكسرها.
قال الرجل بسرعة:
— لو كسرتها، العمر المسروق هيرجع لأصحابه.
توقف عليٌّ.
تابع جامع الساعات:
— الدقايق اللي أخدتها من عمرك هترجعلك. والسنين اللي أخدتها أنا من الناس هترجع لهم.
— والأحداث اللي غيرتها؟
— هتفضل زي ما هي.
نظر إليه عليٌّ.
— يعني الطفل مش هيموت؟
— لا.
— والست مش هتقع؟
— لا.
— يبقى إيه اللي هيرجع؟
نظر جامع الساعات إلى الساعة.
— العمر فقط. الماضي مش هيتفتح تاني.
ظل عليٌّ صامتًا.
كان الماضي قد أُغلق.
الطفل نجا.
والمرأة نجت.
والحوادث التي منعها لن تعود.
لكن تحطيم الساعة يعني أن كل من دُفع من عمره ثمنًا لها سيستعيده.
وبالنسبة إلى جامع الساعات...
كان ذلك يعني شيئًا آخر.
سنوات ابنته المستعارة ستنتهي.
ترك له جامع الساعات عنوانًا وانصرف.
وفي تلك الليلة، ذهب عليٌّ إلى برج الساعة القديم.
وجد جامع الساعات ينتظره.
قال الرجل بنبرة خافتة:
— أنا كمان بدأت بإنقاذ شخص واحد.
ساد الصمت.
تابع:
— كنت زيك. كل مرة كنت أقول: دي المرة الأخيرة.
ثم ابتسم بحزن.
— لو سبتك، كنت هتكتشف إنك مش مختلف عني. كنت هتفضل تسرق من عمرك لحد ما يخلص... وبعدها تبدأ تسرق من غيرك.
رفع عليٌّ عينيه إليه.
— بنتك ملهاش ذنب.
ثم قال:
— والرجل العجوز اللي عايز تسرق منه عشرين سنة ملوش ذنب برضه.
نظر عليٌّ إلى ساعته.
كان الرقم قد وصل إلى:
00:23:00
ثلاث وعشرون دقيقة اقتطعها من عمره، وهو يظن أنه يستطيع إصلاح كل شيء.
أدرك أن امتلاك القدرة على تغيير لحظة لا يعني امتلاك الحق في التحكم في حياة الآخرين.
نظر إلى جامع الساعات.
ثم أغلق عينيه.
وسمع الصوت نفسه الذي سمعه في اليوم الأول:
— دقيقة واحدة فقط.
فتح عينيه.
وضرب الساعة بالأرض.
تحطمت الساعة الفضية إلى شظايا.
لم يحدث انفجار.
فقط سرت موجة هادئة في المكان.
شعر عليٌّ بأن التعب الذي أثقل جسده قد انحسر.
عاد شعره إلى حالته الأولى، وعادت الدقائق الثلاث والعشرون إلى عمره.
وفي مكان بعيد، استعاد أناسٌ أعمارًا لم يعرفوا يومًا أنها سُرقت منهم.
أما في المستشفى، فجلس جامع الساعات إلى جوار ابنته، ممسكًا بيدها.
ظل هناك حتى هدأت أنفاسها.
ثم أغمضت عينيها.
خرج عليٌّ من البرج.
وفي الطريق، رأى طفلًا يقف على الجانب الآخر من الشارع ينتظر العبور.
توقفت سيارة لتفسح له المجال.
توقفت يد عليٌّ داخل جيبه الخالي.
لم تعد هناك ساعة ليتدخل بها.
ظل واقفًا يراقب حتى عبر الطفل بسلام.
ثم تابع طريقه.
ولأول مرة منذ وجد الساعة...
لم يحاول أن يسرق من الزمن دقيقة أخرى.
ترك الوقت يمضي.
Keywords
© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.
Stories you may like

مقبرة الأفكار العظيمة
يصل الكاتب يحيى إلى مكتبة غامضة يكتشف أنها ليست مكتبة عادية، بل «مقبرة» تضم آلاف الأفكار والقصص التي ماتت قبل أن ترى النور بسبب الخوف والتردد وانتظار الكمال. وعندما يجد كتابًا يحمل اسمه، يواجه الحقيقة التي ظل يهرب منها، ويدرك أن الفكرة لا تحتاج إلى أن تكون مثالية كي تُكتب… بل تحتاج إلى الشجاعة كي تبدأ.

سر مدينة نوران
تدور القصة حول آدم الذي يكتشف خريطة ورسالة من والده المفقود تقوده إلى مدينة نوران الغامضة. يكتشف أن المدينة عالقة في حلقة زمنية تعيد اليوم نفسه منذ عشر سنوات لتفادي كارثة طبيعية. يواجه آدم اختيارًا صعبًا بين إبقاء الجميع أسرى الزمن أو تشغيل الساعة ومواجهة الخطر. في النهاية، يحرر المدينة ووالده، لتبدأ نوران يومًا جديدًا بعد سنوات من التوقف.

سرّ أصوات البحيرة
في قرية «أمارا»، يخفي قاع بحيرة غامضة سرًا مرعبًا، ويقال إن وحشًا يسكن أعماقها ويقلّد أصوات الموتى لاستدراج الأحياء. لكن حين تسمع فريدة صوت أخيها الراحل من داخل البحيرة، تكتشف أن الأسطورة تخفي وراءها حقيقة أخطر بكثير، وأن الوحش ربما لم يكن عدوًا… بل حارسًا لأسرارٍ حاول أحدهم دفنها إلى الأبد.