مقبرة الأفكار العظيمة
مقبرة الأفكار العظيمة
يصل الكاتب يحيى إلى مكتبة غامضة يكتشف أنها ليست مكتبة عادية، بل «مقبرة» تضم آلاف الأفكار والقصص التي ماتت قبل أن ترى النور بسبب الخوف والتردد وانتظار الكمال. وعندما يجد كتابًا يحمل اسمه، يواجه الحقيقة التي ظل يهرب منها، ويدرك أن الفكرة لا تحتاج إلى أن تكون مثالية كي تُكتب… بل تحتاج إلى الشجاعة كي تبدأ.

كانت تلك المكتبة الغريبة تنضح برائحة الحبر الجاف وأوراق لم تطأها يد إنسان قط. لم تكن ثمة نوافذ، بل رفوف خشبية شاهقة تسابق الجدران حتى تضيع في عتمة سقفها، وتستقر عليها آلاف المجلدات الأنيقة ذات الأغلفة الجلدية، منها العتيق ومنها العصري، والأسماء منقوشة عليها بماء الذهب.
تردد صدى خطوات يحيى في أذنيه وهو يسير بين الممرات الضيقة للمكتبة. كان يحمل في صدره خوفاً قاده إلى هذا المكان، خوف الكاتب الذي يقف كل يوم أمام صفحات كتابه البيضاء.
يمسك القلم ويحتويه بين أصابعه، فإن جاء ليكتب تراجع واحتل القلق والخوف ملامحه. يترك القلم ويمسح وجهه، يزن الكلمات بميزان من ذهب ويؤجل الكتابة يوماً بعد يوم انتظاراً للحظة اكتمال لن تأتي.
ينتظر الفكرة المثالية، يخاف أن يُنتقد، ويشعر أن لا أحد سيقرأ له، فلماذا يكتب؟
وبينما هو في صراعه بين الورق وأفكاره، اقترب منه رجل مسن بعباءته البنية الداكنة، يمسك بقنديل نحاسي خافت، وقال له بصوت تشوبه بحة كحفيف الورق القديم: أهلاً بك يا يحيى!
التفت يحيى وقال: أنت صاحب المكتبة؟
رد العجوز: بل أمينها. أهلاً بك في مقبرة الأفكار العظيمة.
طالعه يحيى بوجل وقال: مقبرة؟ قيل لي إنها مكتبة الأفكار التي لم تخرج للنور بعد!
ابتسم العجوز بأسى خفيف وقال: تعال يا يحيى خلفي.
سار يحيى وراءه، فأشار العجوز إلى الرفوف وقال: كل مجلد تراه هنا يا بني هو مشروع وُلد في عقل صاحبه شجاعاً، ثم مات ببطء على فراش الخوف.
هنا تسكن كل رواية، وكل قصيدة، وكل فكرة خشي أصحابها ألا تكون كاملة بما يكفي، فآثروا الصمت والانتظار.
سرت برودة مفاجئة في أطراف يحيى. أخذ يتأمل العناوين المنقوشة على الأغلفة وهو يمرر يده عليها. كانت العناوين تشع ببريق ساحر، وتشي بأفكار عبقرية لو كُتبت لغيّرت وجه الأدب. لكنه كلما سحب مجلداً وفتحه، وجد الصفحات ناصعة البياض لا يحويها إلا الفراغ، وجد رواية توقف كاتبها عند المقدمة، وأخرى توقف صاحبها عند الفصل الثاني، وغيرها من الكتب التي دهشته لعظمة أفكار أصحابها الضائعة.
فجأة، تسمرت قدماه أمام رف في منتصف الممر.
كان هناك كتاب بجلد بني دافئ، وعلى غلافه كُتب بخط يده تماماً: رواية يحيى.
اتسعت حدقتاه، وامتدت يده بوجل ليرفع الكتاب. كان المجلد ثقيلاً بين كفيه، يحمل نفس العنوان والمفهوم الذي طالما حلم بكتابته، وزعم أنه ينتظر الظرف المناسب والنضج الكافي ليبدأه.
فتح الصفحة الأولى بقلب يخفق بشدة، فكانت بيضاء.
قلب الصفحة الثانية، ثم الثالثة، فالرابعة. عشرات، بل مئات الصفحات البيضاء الملساء التي لم تشرفها قطرة حبر واحدة! أخذ يقلب الصفحات بلهفة مجنونة، يبحث عن حوار واثق أو مشهد تفصيلي من تلك المشاهد التي طالما دارت في مخيلته، فلم يجد سوى البياض الصامت، ومسودات باهتة على الهوامش في نهاية بضع صفحات.
حتى وصل إلى الصفحة الأخيرة.
في منتصف الصفحة الأخيرة تماماً، وجد سطراً واحداً مطبوعاً بالحبر الأسود القاطع: مات صاحبه وهو ينتظر اللحظة المناسبة.
تحولت ملامح وجهه من الحزن إلى الفزع، وسقط الكتاب من يده ليرتطم بالأرض بصوت مدو هَزّ أركان المكان.
تراجع يحيى خطوتين إلى الخلف، ونظر بذهول إلى المسن الذي كان يرقبه بصمت. كان السطر الأخير يتردد في رأسه كأنه صرخة: مات وهو ينتظر، مات وهو ينتظر.
اقترب العجوز، وانحنى بهدوء ورفع الكتاب، ثم وضعه بين كفي يحيى المرتجفتين وقال: الكمال وهم يا يحيى، وهم جميل يستدرج الشغوفين ليدفنهم أحياء في أرض الانتظار.
هنا آلاف المجلدات التي كانت ستغدو شاهداً على إبداع أصحابها، لكنهم آثروا السلامة والغياب على أن يخرجوا للعالم بنص ناقص أو عمل يحتمل الخطأ.
نظر يحيى إلى يديه، ثم إلى الكتاب الساكن بينهما.
في تلك اللحظة بالذات، انكسر داخل قلبه قيد ثقيل، ولم يعد البياض الذي أمامه يبدو مخيفاً كما كان.
ضم الكتاب إلى صدره بقوة، واستدار بكامله نحو الباب الخارجي للمكتبة.
خرج يحيى إلى الشارع، واستنشق هواء الفجر البارد بشغف. أخرج هاتفه، وفتح تطبيق الملاحظات، ولم يتردد لثانية واحدة.
لم ينتظر العودة إلى البيت، ولا هدوء المكتب، ولا صفاء الذهن، بل بدأ يكتب أول سطر في قصته فوراً، وأصابعه تتحرك بثبات على الشاشة، تاركاً للكلمات أن تتدفق كما هي ليست مثالية نعم، ولكنها حقيقية، بعيداً عن رفوف الصمت.
لن يترك فكرته في مقبرة الأفكار أبداً.
Keywords
© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.
Stories you may like

لص الزمن
ساعة غامضة تمنح عليًّا القدرة على إعادة الزمن دقيقة واحدة، لكن كل دقيقة لها ثمن من عمره. ومع تكرار استخدام قوتها، يكتشف أن إنقاذ الآخرين قد يتحول إلى رغبة خطيرة في التحكم في الزمن.

سر مدينة نوران
تدور القصة حول آدم الذي يكتشف خريطة ورسالة من والده المفقود تقوده إلى مدينة نوران الغامضة. يكتشف أن المدينة عالقة في حلقة زمنية تعيد اليوم نفسه منذ عشر سنوات لتفادي كارثة طبيعية. يواجه آدم اختيارًا صعبًا بين إبقاء الجميع أسرى الزمن أو تشغيل الساعة ومواجهة الخطر. في النهاية، يحرر المدينة ووالده، لتبدأ نوران يومًا جديدًا بعد سنوات من التوقف.

سرّ أصوات البحيرة
في قرية «أمارا»، يخفي قاع بحيرة غامضة سرًا مرعبًا، ويقال إن وحشًا يسكن أعماقها ويقلّد أصوات الموتى لاستدراج الأحياء. لكن حين تسمع فريدة صوت أخيها الراحل من داخل البحيرة، تكتشف أن الأسطورة تخفي وراءها حقيقة أخطر بكثير، وأن الوحش ربما لم يكن عدوًا… بل حارسًا لأسرارٍ حاول أحدهم دفنها إلى الأبد.